الصفحة 340 من 383

قال أبو العباس محمد بن يزيد المبّرِّدُ: قيل للحسن بن عليِّ: إن أبا ذرِّ يقول: الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى ، والسَّقم أحبُ إليَّ من الصحة ، فقال: رحم الله أبا ذرَّ ، أما أنا فأقول: من اتَّكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَّ أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له وهذا حد الوقوف على الرِّضا بما تصرَّف به القضاء (1) . إن الحسن بن علي رضي الله عنه في حديثه هذا يصف لنا شيئًا من أعمال القلوب وهذا دليل على معرفته بهذا العمل العزيز ، فالرضا من أعمال القلوب ، نظير الجهاد من أعمال الجوارح ، فإنَّ كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان (2) ، فالرضا ثمرة من ثمار المحبة ـ لله عز وجل ـ وهو أعلى مقامات المقرّبين ، وحقيقته غامضة على الأكثرين . وهو باب الله الأعظم ، ومستراح العارفين ، وجنة الدنيا ، فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه ، وأن لا يستبدل بغيره منه ورضا الله على العبد أكبر من الجنة وما فيها ، لأن الرضا صفة الله والجنة خلقه قال تعالى: (( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) ) (التوبة ، الآية: 72) ، بعد قوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) (التوبة ، الآية: 72) . وهذا الرضا جزاء من رضاهم عنه في الدنيا ، ولما كان هذا الجزاء أفضل الجزاء ، كان سببُه أفضال الأعمال ، والسخط باب الهمِّ والغمِّ وشتات القلب ، وكَسْف البال ، وسُوء الحال ، والظنَّ بالله خلاف ما هو أهله ، والرضا يخلّصه من ذلك كلّه ، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة ، فالرضا يوجب له الطمأنينة وبَرد القلب وسكونه وقراره ، والسُّخط يُوجب اضطراب قلبه ، وريبته وانزعاجه ، وعدم قراره ،

(1) البداية والنهاية (11/199) .

(2) مدارج السالكين (2/214) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت