فهرس الكتاب
والسُّخط يوجب تلون العبد ، وعدم ثباته مع الله ، فإنه لا يرضى إلاَّ بما يلائم طبعه ونفسه ، والمقادير تجري دائمًا بما يلائمه وما لا يلائمه ، وكلّها جرى عليها منه ما لا يلائمه أسخطه فلا تثبت له قدم على العبودية ، فإذا رضي عن ربه في جميع الحالات استقرت قدمه في مقام العبودية ، فلا يُزيل التلوُّن عن العبد شئٌ مثل الرضا ، والرضا يفرِّغ القلب لله ، والسُّخط يُفرِّغ القلب من الله ، فإنّ من ملأ قلبه من الرضا ، ملأ الله صدره غنىً وأمنًا وقناعة وفرّغ قلبه لمحبّته والإنابة إليه والتوكل عليه ، ومن فاته حظُّه من الرضا امتلأ قلبه بضدّ ذلك واشتغل عمّا فيه سعادته وفلاحه ، وبداية الرضا مكتسبة للعبد وهي من جملة المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال وليس مكتسبة ، فأوَّله مقام ونهايته حال وقد مدح الله أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه ، فدلّ ذلك على أنّه مقدور لهم . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينًا ، وبمحمد رسولًا (1) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، رضيت بالله ربًا ، وبمحمد رسولًا ، وبالإسلام دينًا . غفر الله له ما تقدم من ذنوبه (2) . قال ابن القيم: وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين ، وإليهما ينتهي . وقد تضمّنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته ، والرضا برسوله ، والانقياد له والرضا بدينه ، والتسليم له . ومن اجتمعت له هذه الأربعة ، فهو الصديق حقًّا ، وهي سهلة بالدعوى واللسان ، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان ، ولاسيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادّها ، من ذلك تبيّن أن الرضا كان لسانه به ناطقًا ، فهو على لسانه لا على حاله .
(1) مسلم رقم 43 (1/62) .
(2) مسلم رقم 386 (1/290) .