فهرس الكتاب
ـ وأما الرضا بنبيّه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له ، والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه وأن يكون متميزًا بمكانته عن غيره من البشر فلا يشاركه أحدًا مكانته ولا خصوصيته ، فلا يتلقّى الهدى إلا من مواقع كلماته ، ولا يحاكم إلا إليه ، ولا يحكّم عليه غيره ، ولا يرضى بحكم غيره البتة ، ولا في شئ من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله ، ولا في شئ من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ، ولا في شئ من أحكام ظاهره وباطنه ، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره ، ولا يرضى إلا بحكمه ، فإن عجز عنه كان تحكيمه غيَره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يعينُهُ إلا من الميتة والدم ، وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب ، الذي إنما يُتيمَّم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور ، وأما الرضا بدينه ، فإذا قال ، أو حكم أو أمر ، أو نهى: رضي كل الرضا ، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه ، وسَلَّم له تسليمًا ، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها أو قوْل مُقلِّده وشيخه وطائفته (1) .. وقال: .. فإن الرضا آخر التوكّل ، فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولابدّ ، ولكن لعزَّته وعدم إجابة أكثر النفوس له ، وصعوبته عليها ـ لم يُوجبه الله على خلقه ، رحمة بهم ، وتخفيفًا عنهم ، لكن ندبهم إليه ، وأثنى على أهله ، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم ، الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها ، فمن رضي عن ربِّه رضي الله عنه ، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه ، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده ، رضا قلبه ، أوجب له أن يرضى عنه ، ورضًا بعده وهو ثمرة رضاه عنه ، ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العارفين ، وحياة المحبّين ، ونعيم العابدين ، وقُرّة عيون المشتاقين .
كيف تحقق الرضا ؟:
(1) مدارج السالكين (2/172 ـ 173) صلاح الأمة في علو الهمّة (4/491 ، 492) .