الصفحة 344 من 383

إن من أعظم أسباب حصول الرضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه ، فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولابد . قيل ليحي بن معاذ: متى يبلغ العبد مقام الرضا ؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يُعامل به ربَّه ، فيقول: إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني عبدت ، وإن دعوتني أجبت . وقال الجنيد: الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب ، فإذا باشر القلب حقيقة العلم ، أدّاه إلى الرضا ، وليس"الرضا والمحبة"كالرجاء والخوف ، فإنّ الرضا والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة ، لا يفارقان المتلبِّس بها في الدنيا ، ولا في البرزخ ، ولا في الآخرة ، بخلاف الخوف والرجاء ، فإنهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه ، وأمّنهم مما كانوا يخافونه ، وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائمًا لكنّه ليس رجاءً مشوبًا بشكٍّ ، بل هو رجاء واثق بوعد صادق ، من حبيب قادر ، فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون . وقال ابن عطاء: الرضا سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنَّه اختار له الأفضل ، فيرضى به (1) . وقال بعض العارفين: من يتوكل على الله ، ويرضى بقدر الله ، فقد أقام الإيمان ، وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير ، وأقام الأخلاق الصالحة التي تُصلح للعبد أمره والرضا يفتح باب حُسن الخلق مع الله تعالى ومع الناس ، فإن حسن الخلق من الرضا ، وسوء الخلق من السخط ، وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم ، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والرضا يُثمر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور وطيب النفس وسكونها في كل حال .. ولهذا سمَّي بعض العارفين الرضا: حسن الخلق مع الله ، فإنه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه ، وحذف فضول الكلام التي تقدح في حسن خُلقه (2) .

(1) مدارج السالكين (2/174 ـ 175) .

(2) صلاح الأمة (4/512) نقلًا عن مدارج السالكين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت