فهرس الكتاب
هنا ما يتعلق بأمراض المعدة فحسب ، وإنما المقصود أيضًا الشر الذي يصيب النفس حينما تعتاد الشرهَ في الطعام والشراب وشدة التعلق بهما فيتحول الطعام من وسيلة للغذاء وتقوية البدن إلى غاية وهدف يسعى صاحبه من أجله ويصبح ذلك السعي شغله الشاغل حتى تصبح همته مصروفة إليها ، فمهما شبعت بطنه لا تشبع نفسه ، لأن شهوة البطن أضحت عنده مقياس السعادة (1) ، فطغيان شهوة البطن لا يعني كثرة الأكل فحسب لأن كثرة الأكل عرض ظاهري لهذا المرض ، وإنما حقيقة المرض في شَرَه النفس وما دِّيتها وتحول الطعام من وسيلة إلى غاية حتى يصبح الإنسان كالبهائم التي تسيِّرها شهواتها وفي ذلك يقول الله عز وجل: (( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) ) (محمد ، الآية: 12) ، وقد روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد (2) . ومعنى هذا الحديث أن من شأن المؤمنين التقليل من الأكل للاشتغال بأسباب العبادة ، والكافر بخلاف ذلك كله لأنه تابع لشهوة نفسه مسترسل فيها غير خائف من تبعات الحرام ، وإن أكل قليلا فليس ذلك لزهده في الدنيا وإنما لمراعاة الصحة ورياضة الجسم ، فهو لشدة حرصه على الدنيا وتمسكه بها كأنه يأكل في سبعة أمعاء كما تقول: فلان يأكل الدنيا أكلًا وأما المؤمن فإنه يأكل في معي واحد ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يضرب المثل في هذا الحديث للمؤمن وزهده في الدنيا وللكافر وحرصه عليها (3) ، وقد ذكر النووي ـ رحمه الله ـ توجيهًا آخر لهذا الحديث فقال: قيل: المراد بالسبعة سبع صفات ، الحرص والشره ، وطول الأمل ، والطمع ، وسوء الطبع ، والحسد ، والسمن (4)
(1) أمراض النفس ، و . أنس كرزُون صـ 109
(2) مسلم رقم 2060
(3) فتح الباري شرح البخاري ( 9 / 538 ـ 539 )
(4) شرح النووي على صحيح مسلم ( 14 / 23 )