فهرس الكتاب
4 ـ قال الحسن رضي الله عنه: يجوز أن يظن السوء بمن علم السوء منه وبدت عليه أدلته وليس ينبغي أن يظن به السوء بمجرد الظن فإن الظن يكذب كثيرًا (1) . ومفهوم هذه الحكمة الحسنية أن المؤمن الكيس الفطن يجوز له ظن السوء بمن علم من أحواله ، وتصرفاته ، وسلوكه ومواقفه وأقواله ما يشير إلى السوء به ، فإن الإنسان يظهر بعض ما في نفسه على صفحات وجه وفلتات لسانه ، وبعض مواقفه ، وهذا الظن لا يبني عليه عقاب أو جزاءً على الشخص المشكوك فيه بطبيعة الحال ولكن المقصد من قول الحسن رضي الله عنه الاحتراز والحذر والحيطة من أمثال هؤلاء حتى لا يقع الإنسان المسلم في مصائب وويلات بسبب حسن الظن بأمثال هؤلاء ومن عاشر الناس علم خطورة الثقة في من له سوابق من سوء الظن وقرائن تدل على ذلك وأما مجرد ظن السوء بالمسلم بلا دلائل ولا قرائن قوية فلا ينبغي للمسلم ، فقد قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) ) (الحجرات ، الآية: 12) . قال بعض العلماء في قوله تعالى (( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) ). هو أن تظنَّ بأهل الخير سوءًا ، فأمّا أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر لنا (2) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث (3) . وعد ابن حجر سوء الظن بالمسلم من الكبائر الباطنة حيث قال .. وذلك أنّ من حكم بشرِّ على غيره بمجرد الظن حمله الشيطان على احتقاره ، وعدم القيام بحقوقه ، والتّواني في إكرامه ، وإطالة اللسان في عرضه ، وكل هذا مهلكات ، وكل من رأيته يسئ الظّّنَّ بالناس ، طالبًا لإظهاره معايبهم ـ فاعلم أنّ ذلك لخبث باطنه وسوء طويّته ، فإن المؤمن يطلب المعاذير لسلامة باطنه ، والمنافق يطلب
(1) الشهب اللامعة في السياسة النافعة للمالقي صـ 173 .
(2) الأخلاق بين الطبع والتطبع صـ 243 .
(3) البخاري رقم 5143 ، مسلم رقم 2563 .