الصفحة 101 من 492

إن الصحابي إذا روى شيئًا فلا يخلو: إما أن يعمل بما يوافقه ، وإما أن يعمل بخلافه، فإن عمل بما يوافقه فلا إشكال ، بل في هذه الحالة يكون عمله مفسرًا للحديث إن كان في الحديث ما يحتاج إلى تفسير ، وعلى ذلك قال العلماء: إنه إذا فسر الحديث بعدة تفاسير ومن بين هذه التفاسير تفسير راويه ، فإن تفسير الراوي للحديث مقدم على كل تفسير ، لأن الراوي أدرى وأعلم بما روى من غيره ، وهذه الحالة لا تدخل معنا في هذه القاعدة ، لأنه حينئذٍ لا تعارض بين عمله وروايته ونحن اشترطنا في القاعدة وجود التعارض ، الحالة الثانية: أن يروي شيئًا ثم يعمل بخلافه كأن يروي لنا أمرًا ثم هو لا يعمل به ، أو يروي لنا نهيًا فيعمله هو ، أي يعمل بخلاف ما يروي فحينئذٍ حصل عندنا تعارض بين روايته التي يرفعها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبين عمله هو ، فأيهما يقدم ؟

أقول: هذا هو بيت القصيد وقد اختلف أهل العلم في ذلك ، فذهب الحنابلة في المشهور عنهم والشافعية إلى أن: المعتمد هو روايته لا رأيه ، فرأيه له ، وروايته لنا ، وذهب الحنفية إلى أن: المعتمد رأيه لا روايته .

والقاعدة التي نحن بصدد شرحها خرجت موافقة لقول الحنابلة والشافعية لأنه هو القول الراجح ، فالقول الراجح أنه: إذا تعارض رأي الراوي وروايته فالعبرة إنما هي فيما روى لا فيما رأى ، والدليل على هذا الترجيح عدة أشياء:

منها: أن الحجة إنما هي في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله لا في قول أحدٍ من الناس وفعله مهما كان صحابيًا أو غيره ، وهو قد نقل لنا قول الشارع أو فعله وعمل بخلافه ، فالحجة ليست في عمله وإنما فيما نقله عن الشارع .

ومنها: أن الصحابي لما عمل بخلاف ما رواه ولم يبين لنا مستند هذا العمل من الأدلة ، كان عمله بمنزلة عمل المجتهد الذي لا يعارض به قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله ، إذ أن عمل المجتهد إنما يقبل إذا كان موافقًا للأدلة لا مخالفًا لها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت