المثال الثالث: المسح على خمر النساء فإن الأدلة فيه وردت مطلقة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين والخمار ، والخمار اسم لما يغطى به الرأس وكانت أم سلمة تمسح على خمارها وهذه الأدلة مطلقة فمن قيدها بشيءٍ فعليه الدليل ، وبه تعرف خطأ من قيد جواز المسح على الخمار بكونه مدارًا تحت الحنك فإن هذا القيد لا أصل له في كلام الله ورسوله فالصواب جواز المسح على الخمار ولو لم يكن مدارًا تحت الحلق والله أعلم .
ومن الأمثلة أيضًا: وجوب صلاة الجمعة ، فإن الأدلة دلت على وجوبها إذا تحققت الجماعة ، هكذا وردت الأدلة ، فمن قيد وجوبها بعددٍ معين فعليه الدليل ، وإني لا أعلم إلى ساعتي هذه دليلًا صحيحًا صريحًا في الأعداد التي نص عليها الفقهاء ، فالحنابلة يشترطون الأربعين ولا دليل معهم إلا حديث جابر (( مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدًا جمعة ) )وهذا ضعيف جدًا ولا تقوم بمثله الحجة ، وبعضهم يشترط اثني عشر رجلًا ويستدل بحديث جابر عند مسلم في قدوم القافلة من الشام قال: (( فانفتل الناس إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا ) )وهذا وإن كان صحيحًا لكنه ليس بصريح في المراد وبما أنه لا دليل يقيد وجوبها بعددٍ معين فالأصل أنه إذا تحقق مسمى الجماعة ممن تجب عليه فإنه تجب عليهم وأقل الجماعة اثنان واحد يخطب وواحد يستمع ، أو على الأقل يقال: أقل الجمع ثلاثة واحد يخطب واثنان يستمعان ، وعلى كل حال فالمراد أن تعرف أن الدليل المطلق يجرى على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل صحيح صريح .
ومن الأمثلة أيضًا: ألفاظ النكاح والبيع ونحوها من سائر العقود وردت أدلتها مطلقة لم تقيد بلفظٍ لا تصح إلا به ، فمن قيد صحتها بألفاظٍ وشروطٍ معينة فعليه الدليل ولذلك فالراجح أن عقود النكاح والبيع ونحوها تصح بما تعارف عليه الناس في مثلها من قول أو فعل وهو اختيار أبي العباس والله أعلم .