الصفحة 15 من 492

ومن الأدلة أيضًا: الإجماع على قبول الشهادات عند القاضي إذا توفرت شروط الشاهد ، فإذا شهد الشهود عند القاضي وجب عليه العمل بمقتضى خبرهم ، ولا يسأل هل بلغوا حد التواتر أو لا ؟ بل شهود الحدود اثنان أو أربعة ، وشهود المال رجلان أو رجل وامرأتان وهذا ليس عدد التواتر ، فبهذا العدد الذي لا يبلغ حد التواتر جلد الزاني البكر ، ورجم المحصن ، وقطع السارق ، وأثبتت الحقوق ، مما يدل على أن خبر الواحد يجب العمل به ، رواية كان أو شهادة ، والله أعلم .

هذا هو مجمل أدلة القول الراجح الذي لا ينبغي القول بغيره . فهذا هو طريق السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة رضوان الله عليهم ، وهو قول جمهور أهل الأصول والفقه ، وبه تعرف الحق في هذه المسألة التي طال حولها الجدل ،

إذا علمت هذا فاعلم أن خبر الواحد لنا فيه نظران:

الأول: من جهة ثبوته ومطابقته للواقع ، الثاني: من جهة العمل به .

فأما خبر الآحاد من الجهة الأولى: فإنما يفيد الظن في الأصل إلا إذا اقترنت به قرائن ترفعه إلى مرتبة اليقين كاتفاق الأمة عليه ، أو اتفاق الشيخين عليه ، أو تلقي الأمة له بالقبول .

وأما بالنظر الثاني: فهو يفيد وجوب العمل به يقينًا أي لا يجوز لمن سمعه أن يتردد في العمل به ، لكن بشرطين: أن يكون صحيحًا سنده ، وألا يكون منسوخًا من جهة متنه ، فإذا توفر هذان الشرطان وجب العمل به.

وبه تعرف أن قول من قال: إن خبر الواحد يفيد الظن والعمل بالظنون مذموم شرعًا ، فإذا قال ذلك فقل له: نحن نوافقك في الأول ولكن نخالفك في الثاني ، لأننا نفرق بين جهة مطابقته للواقع وبين العمل به ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت