اعلم - رحمك الله تعالى - أن أدلة الشريعة أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، والكلام في هذه القاعدة عن القياس ، فالقياس دليل تستنبط به الأحكام الشرعية في قول جملة أهل العلم إلا من شذ من الظاهرية وغيرهم ، وأدلة إثباته دليلًا شرعيًا مذكورة في غير هذا الموضع ، والذي يعنينا هنا هو أن القياس إنما يكون حجة شرعية إذا لم يخالف دليلًا شرعيًا ، فإن القياس الذي يخالف نصًا من كتابٍ أو سنةٍ صحيحة يسمى فاسد الاعتبار وفساده دليل بطلانه ، فإن الحجة إنما هي الكتاب والسنة وأما الأقيسة الباطلة المصادمة للنصوص فإنها غير معتبرة ولا يحل لأحدٍ تقديمها على الكتاب والسنة ، فإن القياس فرع من الكتاب والسنة فكيف يقدم الفرع على أصله عند التعارض بل الواجب على كل أحدٍ أن يطرح مثل هذا القياس خارجًا وألا يعتبره شيئًا ، والدليل على فساده إذا صادم النص أمور:
الأول: حديث معاذ بن جبل وهو حديث صحيح مشهور تلقته الأمة بالقبول واعتمدوه في استدلالاتهم بلا نكير ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن قال: بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله ، قال: فإن لم تجد ؟ قال: فبسنة رسول الله ، قال: فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو )) أي لا أقصر وهو عند أحمد وأبي داود والترمذي والطيالسي وقد صححه جماعة من الحفاظ أمثال أبي بكر الرازي وأبي بكر بن العربي والخطيب البغدادي وابن القيم وغيرهم - رحمهم الله تعالى رحمة واسعة - ووجه الحجة فيه أن معاذًا - رضي الله عنه - أخرَّ القياس عن النص وصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أن رتبة القياس بعد النص ، فإذا تعارض القياس والنص فتقديمه - أي القياس على النص - تقديم لما هو متأخر في الرتبة وهذا فاسد وهو المراد بقولهم"فاسد الاعتبار".