الصفحة 190 من 492

ومن الأدلة أيضًا: أن ربنا جل وعلا عاب في آياتٍ على الذين يعملون عقولهم بعد ورود النص القاطع فتراهم يقولون: لو كان كذا لكان كذا ويقاس هذا على هذا ، فعاب الله عليهم وذمهم وأمرهم باتباع النص الواضح وترك هذه الأقيسة الباطلة وذلك كقوله تعالى { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } فنصوص المعاد وبعث الأجساد في القرآن كثيرة ومع ذلك لا يزالون في أقيستهم الفاسدة ، وكقوله في معرض أمرهم بالنفقة ومعارضتهم ذلك بالقياس { وإذا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } وغير ذلك في آياتٍ كثيرة ، وما ذلك إلا لأنه لا ينبغي القياس في معارضة النص ، بل النص مقدم على غيره والله أعلم

ومن الأدلة أيضًا: أن الصحابة رضوان الله عليهم على كثرة اجتهادهم وفتاويهم لم ينقل عنهم أنهم قاسوا إلا مع عدم النص ، وكانوا يتساءلون عن النصوص فإذا وجدوها لم يعدلوا عنها بل كان الواحد منهم يفتي برأيه زمنًا ثم يأتيه النص فيترك رأيه وقياسه ويأخذ بالنص مما يدل على أن النص مقدم عندهم وأنه لا يعارض برأيٍ ولا قياس وذلك بإجماعهم رضي الله عنهم .

فمن ذلك: أن عمر - رضي الله عنه - لما ذكر له خبر حمل بن النابغة في غرة الجنين قال عمر (لو لم نسمع هذه لقضينا بغيره) فكان النص مانعًا له من القياس المعارض فترك قياسه من أجل النص .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت