ومن ذلك: أنه - رضي الله عنه - كان لا يورث المرأة من دية زوجها فلما أخبره الضحاك بن سفيان الكِلابي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها لما بلغه ذلك رجع عن رأيه إلى النص مما يدل على عدم اعتباره الرأي مع النص .
ومن ذلك: أنه كان لا يأخذ الجزية من المجوس اجتهادًا وقياسًا على غيرهم من سائر المشركين وأنهم ليس لهم كتاب معروف فليسوا من أهل الكتاب ، فلما أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر كتب عمر إلى عماله على البلاد بأخذ الجزية منهم فترك رأيه من أجل النص .
ومن ذلك: أن عثمان - رضي الله عنه - كان يقول:"إن المتوفى عنها زوجها لا سكنى لها"حتى جاءه خبر الفريعة بنت مالك أن زوجها خرج في طلب أعبدٍ له فقتلوه ولم يكن ترك سكنًا تملكه ولا نفقة قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ، قالت: فاعتددت أربعة أشهرٍ وعشرًا ) )فلما علمه عثمان اتبعه وقضى به وترك رأيه .
ومن ذلك: أن عمر - رضي الله عنه - كان يفتي بأن دية الأصابع على حسب منافعها حتى جاءه خبر معاوية - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (( هذه وهذه سواءٌ ) )فرجع عن رأيه واتبع السنة.
فهذه الصور حصلت بمحضرٍ من الصحابة ولم ينكرها أحد فكان ذلك إجماعًا .
ومن الأدلة أيضًا: اتفاق الصحابة والسلف الصالح وأئمة الدين على ذم من ترك النصوص الصريحة الصحيحة وتتبع الأقيسة الباطلة ، وكلامهم في ذلك مشهور معروف ، والله أعلم .
ومن الأدلة: أن القياس إنما هو حجة ينسب للشريعة ويكون دليلًا من أدلتها إذا كان قياسًا صحيحًا ومن شرط صحته أن لا يخالف نصًا ، فأما إذا خالف نصًا فإن الشريعة بريئة منه وإنما ينسب إلى صاحبه .