فوا عجبًا ممن يقدم قول البشر على وحي رب البشر . فهذه الأدلة تفيد إفادة قطعية أن الحجة إنما هي النص لا القياس المعارض ، وأن هذا القياس المصادم للنص يجب على العالم إطراحه ، فالنص هو المقدم على كل شيء والله أعلم .
هذا شرح القاعدة من ناحية التنظير لكن بقي شرحها من ناحية التفريع وفروعها في الحق كثيرة لكن أقتصر على أشهرها ، فغيرها يعرف بها فأقول:
اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن أول من قاس قياسًا فاسد الاعتبار إبليس فإنه إمام لكل قائس قياسًا يخالف به النص ، وذلك أن الله تعالى لما أمره بالسجود لآدم عليه السلام بقوله { اسْجُدُوا لآدَمَ } وهو نص صريح لا يحتمل المناقشة ، عارض عدو الله هذا النص القاطع بأقيسةٍ فاسدة ، فقاس عنصره على عنصر آدم فرأى أن النار أقوى من الطين وأنه أقدم منه في الخلق فكانت نتيجة قياسه الفاسد أن قال { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } فأبى السجود وقدم قياسه الفاسد على النص الصريح ، وقياسه هذا قياس باطل ولاشك ، ووجه بطلانه ثلاثة أمور:
الأول: أنه في معارضة النص ، والقياس في مقابلة النص باطل .
الثاني: منع القياس أصلًا فإن النار ليست خيرًا من الطين ، فإن النار طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق ، وأما الطين فطبيعته الرزانة والإصلاح والإعمار فإنك تعطيه الحبة فيعطيكها سنبلة ، وتعطيه النواة فيعطيكها نخلة وهكذا ، وبه تعمر البيوت فكيف تكون النار خيرًا من الطين .
الثالث: سلمنا جدلًا أن النار خير من الطين فإن شرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع فإبليس فرع من النار فإذا قلنا أصل النار خير فإنه لا يلزم من ذلك أن كل فروع النار خير ، فكم من أصل رفيع وفرعه وضيع ، كما قال الشاعر:
إذا افتخرت بآباءٍ لهم شرف……قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
والمقصود: أن قياس إبليس هذا قياس في مقابلة النص فهو قياس باطل .