الصفحة 54 من 492

فيه خلاف يتفرع على خلافهم في هذه القاعدة فالذين يقولون إن الأمر يفيد الفور، قالوا: عليه ضمانها لأنه فرط بتأخيرها والمفرط ضامن ، والذين يقولون: لا يفيد إلا التراخي قالوا: لا ضمان عليه لأنه لم يفرط وإنما فعل ما يجوز له فعله .

والصواب الأول: أن عليه ضمانها لأنه فرط في تأخير إخراجها وقد أمره الله بإخراجها والأمر يفيد الفور .

ومنها: قضاء الصوم ، فإن الله تعالى قد أمر به في قوله تعالى { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } والأمر يفيد الفور فيجب إذًا على المكلف المبادرة بالقضاء ، إلا أنه دل الدليل الصحيح أن قضاء رمضان ليس على الفور وأنه يجوز فيه التراخي وهو حديث عائشة في الصحيح قالت: (( كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني ) )ومثل هذا الفعل لا يخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما أقرها ولم ينكر عليها دل على أن الأمر في قوله تعالى { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } يفيد التراخي ، وعلى هذا يخرج هذا الفرع من الأصل بمقتضى القرينة الصارفة والله أعلم .

ومنها: إخراج كفارة اليمين فإن الله تعالى قد أمر بإخراجها بقوله { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ … } الخ الآية ، فإذا ثبت أنه أمر بها فإذًا يكون الأمر فيها للفور فينبغي إخراجها على الفور مع القدرة وعدم العذر فإذا أخرها بعد القدرة ولا عذر فمات فإنه يموت عاصيًا لأنه أخر ما ليس له تأخيره ، وهذا هو الصواب . وأما الذين قالوا إن الأمر يفيد التراخي فإن إخراج الكفارة عندهم على التراخي ، متى أخرجها أجزأه ولو مات ولم يخرجها فإنه لا يأثم ، ولكن القول الأول أصح لأن الأمر يفيد الفور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت