الصفحة 12 من 32

فمن أمثلة ذلك أنه يجب على الخطيب إسماع أربعين من أهل الجمعة أركان الخطبة، فإذا لم يتأتّ ذلك إلا باستعمال المكبر كان استعماله واجبا، لأن ما ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن تأتى بدون ذلك فاستعماله حينئذٍ مندوب لمزيد الفائدة وتمام الغَرَض. وإذا كان الشارع الحكيم قد طلب في الأذان رفع الصوت وإبلاغه إلى مدى بعيد ونَدَب الوقوفَ على مكان عالٍ كالمنارة مثلا وندب وضع السبابتين في الأذنين لأنه أندى وأبعد للصوت، فيكون استعمال المكبر فيه مندوبا، لأنه مما يستعان به على إبلاغ صوت المؤذن إلى مدى بعيد.

وقد بينت السنة النبوية الشريفة قوائد ذلك، وإن منها أنه لا يبلغ مدى صوت المؤذن شيئا، جِنًّا أو إنسا، حيوانا أو جمادا إلا شهد له يوم القيامة كما سيأتى. ومن الفوائد أيضا أن الشيطان يشرد ويهرب عند سماع الأذان فكلما كان المدى بعيدا كانت الفائدة أكثر. ولا ينبغى الإغترار بما يقوم به الآن بعض من يدعى العلم من الإنكار على بعض الأمور التي لها دَخَلٌ في أحكام الدين، ولها به إتصالٌ قويٌّ متين مدّعيا أن ذلك بدعة، لأنه ليس من فعل السلف. وهؤلاء الكثير منهم يلهجون بلفظ السلف ولا يعرفون من هم المستحقون لهذا الوصف، ويلهجون بالدليل وهم لا يعرفون كيفية الإستدلال به، ولا يحسنون الإستفادة من معناه، ولا يعلمون أن الأخذ بالدليل يحتاج إلى أهل لذلك، بحيث يعرفون الصالح للإستدلال وغير الصالح، يعرفون هل هو صحيح أو حسن، ثم يعرفون هل هو محكم أم منسوخ، ثم يعرفون عام أو خاص. وإذا كان عاما ينظرون هل له مخصص أم لا، ويعرفون هو مطلق أم مقيّد، ويعرفون هل هو مما أطبق أهل العلم على العمل بمقتضاه، وإلا فهو شاذ متروك ولو كان في أعلى درجة الصحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت