غير أن المقصود منه هنا هو الركنان الأولان ، وأما رعاية القوانين فهي وإن كانت دخيلة في تحقق النظم ، غير أن القرآن أرفع شأنا من أن يعرض على القواعد ، بل هي تعرض عليه كما تقدم ، ولأجل ذلك نركّز في النظم على الأمرين الأولين ، فنقول:
إن القرآن بلغ من ترابط أجزائه وتماسك كلماته وجمله وآياته مبلغًا لا يدانيه فيه أي كلام آخر مع طول نفسه ، وتنوّع مقاصده ، وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد ، فبين كلمات الجملة الواحدة من التآخي والتناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب ، وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها واحدة متعانقة الآيات ، ولأجل ذلك يقول سبحانه:
(( قرآنًا عربيًا غيرَ ذي عِوَج ) ) (20) .
ويقول أيضًا:
(( الله نزّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني ) ) (21) .
وبما أن الترابط والتآخي في الآيات القرآنية واضحة لمن أمعن فيها ، فلذلك نطوي الكلام عن الإكثار فيها ونعطف الكلام إلى الأمر الثاني وهو:
وضع كل كلمة في موضعها:
إن لكل نوع من المعنى نوعًا من اللفظ هو به أولى وأنسب ، وكان إلى الفهم أقرب وبالقبول أليق ، وكان السمع له أدعى والنفس إليه أميل ، وهذا حكم سائر حتى في الألفاظ المتقاربة من حيث المعنى ، كالحمد والشكر ، والبخل والشح ، والقعود والجلوس ، والعلم والمعرفة وغير ذلك من الحروف والأسماء والأفعال ، فإن لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها ، وإن كانا بشتركان في بعضها .
وقد اهتم القرآن ، باستعمال كل كلمة في موضعها بحيث لو أزيلت الكلمة أقيم مكانها ما يظن كونه مرادفًا لها ، لفسد المعنى ، وزال الرونق ، ولأجل إيضاح ذلك نأتي بنماذج:
1-نرى أنه سبحانه يأمر عبده بحمده ، ويقول:
(( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريكٌ في الملك ) ) (22) .
وفي موضع آخر يأمر بالشكر ويقول:
(( اعملوا آل داوُد شكرًا ) ) (23) .