والعلة عند الفقهاء على أوضاع مختلفة، فتارة تكون حكمًا، كقولنا: بطل بيع الخمر لأنه حرم الانتفاع به، ولأنه نجس، وتارة تكون وصفًا محسوسًا عارضًا، كالشدة في الخمر، أو لازمًا؛ كالطعم في البر، وتارة تكون من أفعال المكلفين؛ كالقتل والسرقة، وتارة تكون مناسبة، وتارة تكون غير مناسبة، إلى أوضاع أخرى كثيرة، بعضها متفق على التعليل بها، وبعضها مختلف فيه [1] .
قال ابن فورك (406 هـ) [2] :
"حد العلة: ما أوجبت حكمًا لمن وجدت به."
وقد يطلق الفقهاء على الأمارات الشرعية أنها عللا [3] تجوزًا وتوسعًا، وتكون تلك الأمارات أسماءً وصفات وأحكامًا"."
وقال الغزالي (ت 505 هـ) [4] :
"العلة موجبة: أما العقلية فبذاتها [5] ، وأما الشرعية فبجعل الشرع إياها علة موجبة، على معنى إضافة الوجوب إليها، كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله تعالى".
فإن قيل: يلزم من تعريف العلة بهذا أن تكون أمارة مجردة، ليس فيها ما يبعث على تشريع الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، ومن شرط العلة أن يكون فيها معنى مناسب لتشريع الحكم [6] .
(1) انظر: أصول الجصاص (4/ 137) ؛ المستصفى (2/ 353) ؛ شفاء الغليل (550) ؛ الروضة (2/ 313 - 314) .
(2) الحدود في الأصول (153) . وانظر: أصول الجصاص (4/ 138، 142) ؛ المعتمد لأبي الحسين (2/ 704) .
(3) قال محقق كتاب الحدود:"كذا في الأصل". وقد أثبتها كما هي بناء على أنها وردت في المخطوط هكذا، مع أنها على خلاف المشهور في اللغة.
(4) شفاء الغليل (21) ، وانظر منه: (47، 569) .
(5) ليس معنى ذلك أنها مستقلة بالإيجاب بدون جعل الله تعالى لها ذلك، ولكن المقصود أن الشرع لم يدل عليها، ولم يجعلها موجبة لأحكامه الشرعية، وإنما دل العقل عليها، ولهذا تكون موجبة بدون دليل شرعي، فهذا معنى قوله:"بذاتها".
(6) انظر: الإحكام للآمدي (3/ 202) .