قلت: العلة التي يذكرها الفقهاء في كتبهم مختلفة الأوصاف والأوضاع كما سبق ذكره، فمنها المناسب الذي يتضمن باعثًا على تشريع الحكم، ومصلحة تدركها العقول، ومنها ما ليس كذلك، وتعريف العلة بما ذكر لا ينفي أن تكون مناسبة، بل يشمل المناسب وغيره.
ثم إن قولنا: غير مناسب، إنما هو في علمنا، ولكنه قد يكون مناسبًا في الأصل بشيء لا نعلمه.
وأما التخريج فهو: مصدر خرَّج، وحقيقته في اللغة: النفاذ عن الشيء [1] ، ويراد به هنا: الاستخراج والاستنباط [2] .
وأما تعريف هذا المصطلح مركبًا؛ فهو:
الاجتهاد في استنباط علة الحكم الذي دل عليه النص أو الإجماع ولم يتعرض لذكر علته [3] .
وعلى هذا التعريف تخرج العلة التي نص عليها الشارع، أو أومأ إليها، أو أجمع العلماء عليها، فلا يُسمَّى استخراجها تخريج مناط [4] .
وهذا التعريف شامل لجميع طرق تخريج المناط بغير النص والإجماع، والتي سيأتي الحديث عنها بعد قليل إن شاء الله تعالى.
لكن من أهل العلم من جعل تخريج المناط مرادفًا لطريق من طرق استخراج العلة، وهو المناسبة، قال ابن الحاجب (ت 646هـ) [5] :
"المناسبة والإخالة، ويسمى تخريج المناط".
وبناء على هذا فتخريج المناط عنده هو:"تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص ولا غيره" [6] .
(1) انظر: مقاييس اللغة (2/ 175) .
(2) انظر: البحر المحيط (5/ 257) .
(3) انظر: المستصفى (2/ 240) ؛ الإحكام للآمدي (3/ 303) ؛ الموافقات (5/ 21 - 22) ؛ البحر المحيط (5/ 257) .
(4) ذكر الشوشاوي في شرحه لتنقيح الفصول (5/ 292) أن الغزالي يرى أن تخريج المناط هو استخراج العلة مطلقًا، من أوصاف مذكورة، ومن أوصاف غير مذكورة، وأن من عدا الغزالي يرى أنه استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة. قلت: وكلام الغزالي في المستصفى يرد هذا.
(5) مختصر منتهى السؤل والأمل (2/ 1084) . وانظر: أصول ابن مفلح (3/ 1279) .
(6) مختصر منتهى السؤل والأمل (2/ 1084) .