الصفحة 6 من 55

قلنا: هو كذلك؛ لكن هذه العلة تدرك بالنظر العقلي، بدون اجتهاد في مسالك العلة المعروفة، ولهذا لا يكاد يختلف فيها أحد؛ فإن الأكل والشرب للصائم مثلا إنما يقصدان لما فيهما من الغذاء، فإذا وجد الغذاء بغير طريقهما فقد حصل المقصود بهما، ولم يبق إلا اختلاف طريق الحصول، وهذا لا أثر له، ولهذا قلنا: إن الحكم ثبت بعدم الفارق بينهما، إلا فرقًا لا أثر له في الحكم.

قال أبو المعالي (ت 478 هـ) [1] :

"ما علم قطعًا بهذه الجهات التحاقه بالمنصوص عليه، فلا حاجة فيه إلى استنباط معنى من مورد النص، وبيان وجود ذلك المعنى في المسكوت عنه، بل العقل يسبق إلى القضاء بالإلحاق، ويقدره بالمنصوص عليه، وإن لم ينظر في كونه معللا بمعنى مناسب، مخيل أو غير مخيل، ولو قدر معللا؛ فلا يتوقف ما ذكرناه من الإلحاق على تعيين علته المستنبطة".

ولهذا قال ابن تيمية (ت 728هـ) في حديث النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم [2] :

"والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا .. ، وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش ويطبخ الطعام في معدته، كما يحصل بشرب الماء، فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب؛ فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مفطرًا، ولا جزءًا من المفطر؛ لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى الفطر".

وأما القياس بإبداء العلة الجامعة فإنما يكون بالاجتهاد في معرفة هذه العلة بالطرق المعروفة في كتب الأصول، ثم في تحققها في الفرع الحادث.

قال الرازي (ت 606 هـ) [3] :

(1) البرهان (2/ 516، ف 735) .

(2) مجموع الفتاوى (25/ 244) .

(3) المحصول (ج2/ق2/ 29 - 30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت