رغِب إليكم وتحلّوا بالجود يُلبسكم [1] المحبة، ولا تعتقدوا البخل فَتَسْتَعجلوا [2] الفقرَ» [3] .
ومنهم دنيء الأصل رديء الطباع، واثق بما في يديه، فهذا لا يُصلحُه المال، ولا يصلح عليه.
ولذلك لما سأل ثعلبةُ بن حاطبٍ- وليس هو بالبدري، إنْ صحَّ الحديث- رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله! ادعُ الله أن يرزقني مالًا، قال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا ثعلبةُ! أما تحبُّ أن تكون مثلي، فلو شئتُ أن يُسيّر ربي معي هذه الجبال ذهبًا لسارت» . فقال: ادع الله أن يرزقني مالًا، فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني مالًا لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، قال: «ويحك يا ثعلبة! قليلٌ تطيق شكرَه، خيرٌ من كثيرٍ لا تؤدي حقّه» . أو قال: لا تطيقه-. فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يرزقني مالًا، فقال: «اللهم ارزقه مالًا» . قال: فاتخذ غنمًا فبورك له فيها، ونمت حتى ضاقت به المدينة، فتنحَّى بها، وكان يشهد مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالنهار، ولا يشهد صلاة الليل، ثم نمَت، وكان لا يشهد إلا من الجمعة إلى الجمعة، ثم نمَت، فكان لا يشهد جمعة ولا جماعة.
(1) كذا في الأصل، وفي «العقد الفريد» : «يكسبكم» .
(2) كذا في الأصل، وفي «العقد الفريد» : «فتتعجَّلوا» .
(3) نعت الجاحظ في «البيان والتبيين» (1/365) (أكثمًا) بأنه: «من الخطباء البلغاء، والحكّام الرؤساء» .
قلت: وهو أحد المعمّرين، أدرك الإسلام، وذهب في قومه إلى المدينة ليسلم، لكنه مات في الطريق، له ترجمة في «الإصابة» (1/110) ، «المعمرين» (14) ، «الوافي بالوفيات» (9/199) .
والخبر المذكور موجود في «العقد الفريد» (1/189- ط. دار الكتب العلمية) ، وقال:
«أخذه الشاعر، فقال:
أَمِنْ خَوْفِ فَقْرٍ تعجَّلْتَه ... وأخَّرْتَ إنفاقَ ما تَجْمعُ
فَصِرْتَ الفقيرَ وأنتَ الغَنِيُّ ... وما كنتَ تَعْدو الذي تَصنعُ»