الصفحة 141 من 275

رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ انتظرها في منزله بعد النفر حتى جاءت فارتحل وأذن في الناس بالرحيل فإن كان حديث الأسود هذا محفوظا فصوابه لقيني رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط إليها فإنها طافت وقضت عمرتها ثم أصعدت لميعاده فوافته قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع فارتحل وأذن في الناس بالرحيل ولا وجه لحديث الأسود غير هذا. وذكر أبو محمد في بعض تآليفه أنه فعل ذلك ليكون كالمحلق على مكة بدائرة في دخوله وخروجه فإنه بات بذي طوى ثم دخل من أعلى مكة ثم خرج من أسفلها ثم رجع إلى المحصب ويكون هذا الرجوع من يماني مكة حتى تحصل الدائرة فإنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لما جاء نزل بذي طوى ثم أتى مكة من كداء ثم نزل به لما فرغ من الطواف ثم لما فرغ من جميع النسك نزل به ثم خرج من أسفل مكة وأخذ من يمينها حتى أتى المحصب ويحمل أمره بالرحيل ثانيا على أنه لقي في رجوعه ذلك إلى المحصب قوما لم يرحلوا فأمرهم بالرحيل وتوجه من فوره ذلك إلى المدينة.

ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يُضحَكُ منه ولولا التنبيه على أغلاط من غلط عليه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام والذي كأنك تراه من فعله أنه نزل بالمحصب وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة وطاف بها طواف الوداع ليلا ثم خرج من أسفلها إلى المدينة ولم يرجع إلى المحصب ولا دار دائرة ففي صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت وطاف به وفي الصحيحين عن عائشة خرجنا مع رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وذكرت الحديث ثم قالت حين قضى الله الحج ونفرنا من منى فنزلنا بالمحصب فدعا عبدالرحمن بن أبي بكر فقال:"له اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافكما ثم ائتياني هاهنا بالمحصب" [1] قالت: (فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل) فأتيناه بالمحصب، فقال:"فرغتما"قلنا: (نعم) فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة.

فهذا من أصح حديث على وجه الأرض وأدله على فساد ما ذكره ابن حزم وغيره من تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها ودليل على أن حديث الأسود غير محفوظ وإن كان محفوظا فلا وجه له غير ما ذكرنا وبالله التوفيق. 290

(1) البخاري (1788) ومسلم (1211)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت