الصفحة 638 من 877

وقوله تعالى إخبارًا عنها: {قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا} فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: {يا ليتني مت قبل هذا} أي قبل هذا الحال، {وكنت نسيًا منسيًا} أي لم أخلق ولم أك شيئًا، قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل، {وكنت نسيًا منسيًا} نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: {وكنت نسيًا منسيًا} أي شيئًا لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من أنا. وقال الربيع بن أنس: {وكنت نسيًا منسيًا} هو السقط. وقال ابن زيد: لم أكن شيئًا قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: {توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين} .

وقوله تعالى (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قرأ بعضهم: {من تحتها} بمعنى الذي تحتها، وقرأ الاَخرون: {من تحتها} على أنه حرف جر، واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو ؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس {فناداها من تحتها} جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: إنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام، أي ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: {فناداها من تحتها} قال: عيسى بن مريم، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها، وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها، قال: أو لم تسمع الله يقول: {فأشارت إليه} واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت