فهرس الكتاب
ويظهر -والله أعلم- أن الله -جل وعلا- ذكره بلفظ العمى، مع أن الكفار الذين كان - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم للإسلام كانوا مبصرين؛ ليبين -جل وعلا- أن العمى هو عمى القلوب، فهذا رجل أعمى في بصره، ولكنه مبصر ببصيرته، وأولئك مبصرون بأبصارهم، ولكنهم أعمون بقلوبهم، فيكون في ذلك عبرة للناس إلى يوم القيامة؛ كما قال الله -جل وعلا-: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ .
وبعض العلماء استشكل على قوله -جل وعلا-: الْأَعْمَى آية الحجرات، وهي قول الله -جل وعلا-: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ فها هنا الله -جل وعلا- لقبه بأنه أعمى، وقد قال -تعالى-: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ؛ ذكر ذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتاب"دفع إيهام الافتراض"، ثم وجه ذلك بما أجاب به بعض العلماء من أنه قال: الْأَعْمَى ؛ ليقدم عذره في قطع كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك التلقيب لا يؤذيه حينئذ؛ لأن -مثلا- الإنسان لما يقال: فلان أعرج، تأخر مثلا في إيصال المعاملات، وقال: فلان أعرج يعني: لا يؤاخذ ، ولا يقصد ذمه ولا تلقيبه، وإنما يقصد بيان العذر الذي يجعله يتأخر، فهذه لا تحدث في نفس هذا الأعرج شيئا، وكذلك هذا الأعمى لما قدم الله -جل وعلا- عذره، فإن هذا التلقيب لا يحدث في نفسه شيئا.
والذي يظهر -والله أعلم- أن الآيتين ليس بينهما تعارض أصلا؛ لاختلاف جهة القائل ؛ فالقائل هنا والواصف هو الله رب العالمين، وله التصرف في خلقه، وأما في قوله -جل وعلا-: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ فهو نهي للخلق أن ينبز بعضهم بعضا ؛ لأن العبد إذا نبذ أخاه بلقب فإن هذا يحدث من الضغينة والشقاق ما جعل الله -جل وعلا- يحرم النبز.