فهرس الكتاب
أما الله -جل وعلا- إذا أطلقه فهو الخالق المتصرف في المخلوقات، وله -جل وعلا- أن يسمي من شاء ما شاء، وأن يلقب من شاء ما شاء، فلاختلاف جهة الصدور في الآيتين فإنه ليس بينهما تعارض، ثم إن بعض العلماء -أيضا- ذكر: أن في هذه الآية ما يعارض قوله -تعالى-: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وهنا عبس بوجهه، ويعارض -أيضا- قوله تعالى في سورة الشعراء: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في سورة الحجر: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ والنبي - صلى الله عليه وسلم - هاهنا عبس بوجهه.
وهذه الآيات كلها آيات مكية سواء عبس، أو آية الشعراء، أو الحجر، أو آية القلم كلها آيات مكية، لا يُدرى ما المتقدم منها: فإما أن يكون وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وما بعده، أو الآيات الأخرى وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ هذا واقع بعد سورة عبس، وحينئذ لا إشكال.
أو يقال: إن قوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ هذا باق، وهذه الآية التي معنا هذه محل اجتهاد له - صلى الله عليه وسلم - اجتهد، وهذا لا يخرجه عن أن يكون ذا خلق عظيم، ولا يخرجه عن أن يكون خافضا جناحه للمؤمنين ؛ لأنه يحتمل أنه -عليه الصلاة والسلام- رأى في هذا الصنيع تعليما لعبد الله بن أم مكتوم، كما كان - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يزجر بعض أصحابه، وهذا لا يخرجه عن أن يكون على خلق عظيم؛ لأن الخلق العظيم ليس معناه أن لا يعالج المرء الأمور بحسبها، فيحزم وقت الحزم، ويلين وقت اللين، ويرفق وقت الرفق.