فهرس الكتاب
وهذا الوصف الذي يصف به المشركون نبينا -صلى الله عليه وسلم- ليس بدعا منهم، وإنما هم مشاركون لإخوانهم المشركين الذين وصفوا الأنبياء قبل نبينا -صلى الله عليه وسلم- بذلك؛ كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في قوله: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ .
ثم قال -جل وعلا-: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى جبريل على صورته التي خلقها الله -تعالى- عليها بالأفق، وهو الناحية من السماء، بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ الواضح البين، الذي لا لبس فيه، ولا غموض. وقد جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى جبريل، وله ستمائة جناح قد سد الأفق ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى جبريل -عليه السلام- على صورته مرتين:
المرة الأولى هذه في مكة بالبطحاء، والمرة الثانية عند سدرة المنتهى لما عرج به -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء؛ كما قال الله -جل وعلا-: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى .
ثم قال -جل وعلا-: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي: ليس النبي -صلى الله عليه وسلم- على الغيب بمتهم، والمراد بالغيب هو هذا الوحي الذي ينزله الله -جل وعلا- عليه، وجاء في قراءة سبعية بالظاء:"بظنين"، والمراد ليس ببخيل، وكلاهما قراءتان متواترتان، ويستفاد منهما: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تبليغه لهذه الرسالة لم يكن بخيلا بها على أحد، ولم يكن بخيلا بها فينقص منها شيئا، وكذلك يستفاد من القراءة الأخرى بضنين وأنه غير متهم أنه -صلى الله عليه وسلم- قد بلغ هذا التنزيل، كما أمره ربه -جل وعلا- في قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ .