فهرس الكتاب
ثم قال -جل وعلا- في بيان صفته: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: إذا سمع هذا القرآن يتلى قال: هذه حكايات الأولين، ليست بصدق وليست بحق، كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في مواضع من كتابه: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ثم قال -جل وعلا-: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي: أن هؤلاء الكفار غلب على قلوبهم، وأحاط بها، وأغلقها ما كانوا يكسبونه من الذنوب؛ فذنوبهم وسيئاتهم هي التي جعلت قلوبهم مغلقة، مغلفة، مطبوعا عليها بسبب كفرهم، ولهذا قال النبي --صلى الله عليه وسلم--: إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه -يعني: وجدت نكتة سوداء في قلبه- فإن تركها سقل منها قلبه، أو فإن نزع سقل منه قلبه وإن زاد زادت ، ثم قال -صلى الله عليه وسلم- وذلك قوله -تعالى-: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يعني: أن هذه الذنوب التي كانوا يكسبونها تتابعها وتواليها على قلوبهم، يكسبهم هذا الران الذي يؤول بهم إلى أن يطبع على قلوبهم، وأن تغلق قلوبهم فلا يسمعوا الحق، ولا يهتدوا بعد ذلك.
وهذا فيه تعظيم من شأن الذنوب ؛ لأن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا استمر في هذه الذنوب ازدادت وعظمت هذه النكتة حتى تغطي قلبه، ثم بعد ذلك يكون من الضالين، ولهذا كان بعض السلف يقول: إن المعاصي بريد الكفر، وفي ذلك تحذير عظيم من الوقوع في السيئات والمعاصي؛ لأنها لا تورث إلا الضلال والنار. أعاذنا الله -جل وعلا- منها.