فهرس الكتاب
ثم قال -جل وعلا-: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ يعني: أن الكفار يوم القيامة محجوبون عن الله -جل وعلا- لا يرونه، وفي ذلك عذاب عظيم لهم ؛ لأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، كما قال الله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وكما قال الله -جل وعلا-: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ وأما الكفار فهم محجوبون عن الله -جل وعلا- فلا يرونه، وفي ذلك عذاب لهم، وقد استدل الإمام الشافعي -رحمه الله- وغيره من السلف على أن هذه الآية تدل على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ؛ لأن الله -جل وعلا- إذا أخبر أنه حجب الكفار عن رؤيته يوم القيامة، فذلك دليل على أن المؤمنين يرونه، خلافا لأهل البدع الذين ينفون رؤية الله -جل وعلا- يوم القيامة، ويستدلون بقوله -جل وعلا-: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ .
وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- أن هذا ليس فيه دليل على نفي الرؤية عن الله -جل وعلا- ؛ لأن الله -جل وعلا- في قوله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ يعني لا تحيط به الأبصار، وأما الرؤية فإنه يُرى، ولهذا قال أصحاب موسى لموسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ يعني: خشوا أن يحيط بهم فرعون وجنوده. فقال لهم موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فهؤلاء قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ يعني: محاط بنا. فموسى -عليه السلام- قال:"كلا"، مع أن فرعون وجنوده كانوا يرونهم، ولهذا تبعوهم في البحر، فدل ذلك على أن هناك فرقا بين الإدراك والرؤية.