الصفحة 157 من 355

ثم قال -جل وعلا-: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ أي: أن المقربين يشربون من تسنيم شرابا خالصا، لا يمازجه شيء ؛ لأنهم ينعمون بأعلى نعيم أهل الجنة، بأنهم ينعمون النعيم العالي من نعيم أهل الجنة غير النظر إلى وجه الله -جل وعلا-.

فالمقربون يشربون من تسنيم شرابا لا يخالطه شيء، وأما الأبرار فإنهم يشربون من هذه العين، ولكن شرابهم يكون مخلوطا بالرحيق الذي هو الخمر، وإنما كان أمرهم كذلك ؛ لأنهم أقل منزلة عند الله -جل وعلا- من المقربين؛ لأن الله -جل وعلا- قسم عباده المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: منهم الأبرار وأصحاب اليمين، ومنهم السابقون المقربون، ومنهم الظالمون لأنفسهم، كما قال -تعالى-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ .

فأعلاهم المقربون، ثم بعد ذلك أصحاب اليمين الأبرار، ثم بعد ذلك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. فبتفاوت منازلهم يتفاوت نعيمهم عند الله -جل وعلا-.

ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ يعني: أن المجرمين من الكفار يسخرون من أولياء الله -جل وعلا-، الذين قبلوا وآمنوا وصدقوا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، يضحكون منهم، ويسخرون بهم ويستهزئون، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ يغمز بعضهم لبعض بأجفانهم وحواجبهم وعيونهم سخرية بالمؤمنين. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ يعني: إذا انقلب الكفار إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم انقلبوا معجبين بأنفسهم، معجبين بتصرفاتهم مع المؤمنين، ويظنون أنهم على هدى، ويظنون أن صنيعهم هذا لن يورثهم عذاب الآخرة؛ لأنهم يكذبون بيوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت