ولما كان سيد البشر -صلى الله عليه وسلم- هو أعلم الناس بآيات الله وبمراد الله، وأعلم الناس بالله كان هو أتقاهم وأخشاهم لله، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: أنا أتقاكم لله .
وأحسن ما يُدْرس فيه هذا التفسير وبيان آيات الله وإيضاحها، في بيوت الله -جل وعلا- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده .
وأولى ما يعني به العالم والمتعلم معرفة كتاب الله -جل وعلا- وما يدل عليه لأن معرفة ذلك هو أصل العلم كما قال الله -جل وعلا-: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أن هذا القرآن آيات واضحات لا تلتبس على أهل العلم، وهذا القرآن إذا علمه الإنسان وفهم معانيه ومدلولاته فإنه تندفع عنه الشبهات والشهوات، وينشرح صدره، ويتلذذ بتلاوة كتاب الله -جل وعلا.
وأحسن ما يُفَسر به المرء كتاب ربه … أحسن ما نفسر به القرآن أن نفسر القرآن بالقرآن ؛ لأنه قد تأتي الآية مجملة في موضع فيبينها الله -جل وعلا- ويفصلها في موضع آخر، وتأتي أحيانا عامة في موضع ويأتي تخصيصها في موضع آخر، وتأتي في موضع مطلقة ويأتي تقييدها في موضع آخر، ويأتي أحيانا فيها إبهام فينكشف في موضع آخر، إلى غير ذلك من ترابط كتاب الله -جل وعلا- في آياته.
ولهذا قال العلماء: أحسن ما يُفَسر به القرآن القرآن، ثم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم.
ونبينا -صلى الله عليه وسلم- قد علم أصحابه تفسير هذا القرآن العظيم، وبينه لهم ؛ لأن هذه وظيفة النبي -صلى الله عليه وسلم- وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ .