فهرس الكتاب
فأهل النار كما تقدم جَزَاءً وِفَاقًا وأما أهل الجنة فهو عطاء كثير لا حد له، ثم إنه عطاء لا ينقطع أبدًا، قال الله -جل وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ فهو ممتد في وقته، وممتد أيضًا في كثرته ؛ لأن خزائن السماوات والأرض بيد الله -جل وعلا -، وهو إذ يصنع ذلك -سبحانه وتعالى- إنما يعامل عباده برحمته ؛ لأن أول عطائه لعباده أنه لو وكلهم إلى أعمالهم لهلكوا، فإن الإنسان لو كان يدخل الجنة بمجرد عمله دون فضل الله ورحمته لم يدخل الجنة أحد، كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فها أول عطاء الله لخلقه، أنه -جل وعلا - لا يكلهم إلى أعمالهم ولا يعاملهم بعدله ؛ لأنه لو عاملهم بعدله لهلكوا ولكنه يعامل المؤمنين بفضله ورحمته -جل وعلا.
وهذا يدعو العبد المؤمن إلى أن يتوب إلى الله، وأن ينيب إليه وأن يحسن العمل ؛ لأن الله إذا كان يعاملك بالإحسان فليس هناك مقابلة للإحسان إلا بالإحسان، فالله -جل وعلا - لمّا أحسنت في بعض عملك قابلك بإحسان منقطع، فأنت أيضًا أحسنْ عبادة ربك -جل وعلا - شكرًا منك لله -جل وعلا - على هذه النعمة.
فأول عطاء الله للمتقين أنه يدخلهم الجنة بفضله ورحمته وليس بأعمالهم، ثم بعد ذلك يفيض عليهم من الخيرات التي لا تنقطع أبدًا ؛ ولهذا ذكر الله -جل وعلا - أن أهل الجنة خالدين فيها أبدًا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا .
فهم خالدون في هذه الجنة أبدًا، ومع هذا الخلود ينعمهم الله -جل وعلا - بأحسن النعيم وأكمله، وينعمهم بنعيم لا ينقطع أبدًا، وبنعيم كثير وافر، فضلًا منه -جل وعلا - ورحمة.