المستعد لمقاومة المعتدين بالقوة فقلما يعتدي عليه أحد: {وإن جنحوا للسلم} بكسر السين وقرئ بفتحها هو بمعنى السلام ضد الحرب أي إن مالوا عن جانب الحرب إلى جانب السلم خلافًا لما عهد من أحوال الطغاة والأقوياء ولم يحاولوا التحرش بك والعدوان على حدودك: {فاجنح لها} أيها الرسول وكل من اتبعك من المؤمنين لأن الإسلام دين السلم والسلام، بمعنى سر في طريقك بالاستعداد والحيطة والحذر ولا تطمع في الاعتداء على أرضهم بما لديك من قوة العتاد ولا تكن بادئًا بالقتال بل التزم جانب الدفاع: {وتوكل على الله} أي فوض أمرك إليه تعالى: {إنه هو السميع} لما يتخذونه من قرارات ضدك: {العليم} بما يدبرونه من المكائد لك وسيكفيك شرهم وأذاهم ويحبط مكرهم إنه على كل شيء قدير، ثم بين الله حكم الفريق الثالث بقوله: {وإن يريدوا} أي أولئك الذين لم يصالحوك ولم يناصبوك العداء والحرب أو نافقوا لك ولأعدائك: {أن يخدعوك} بقولهم إننا قوم مسالمون حياديون أو مسلمون وهم منافقون: {فإن حسبك الله} أي لا تصر على أن يحددوا موقفهم حيالك بل فوض أمرهم إلى العليم بما يبيتون من مكر وخداع وسيكفيكهم الله بتأييده الرباني قياسًا على ما مضى إذ: {هو الذي أيدك بنصره} بأسباب خفية لم تكن تخطر لك على بال كتثبيت الملائكة للمؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين: {وبالمؤمنين} الذين جمعهم الله حولك ولولا تسخيرهم لك لما قاتلوا في صفك: {وألف بين قلوبهم} أي وهو الذي وضع الألفة والمحبة في قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج من الأنصار بعد ما كان بينهم من العداء المستحكم من سنين طوال: {لو أنفقت ما في الأرض جميعًا} أي كل ما تصل إليه يدك من مال: {ما ألفت بين قلوبهم} ذلك لأن بذل الأموال وسائر المنافع الدنيوية لا تكفي لإيجاد الألفة وغرس المحبة في قلوب الناس: {ولكن الله ألف بينهم} عن طريق الإيمان بالله الذي دعوتهم إليه واتحادهم في العقيدة والمبدأ والغاية، وهذا هو السبيل الوحيد لإيجاد الحب في القلوب ولولا هذا التآلف القلبي بين المؤمنين لما تضامن المؤمنون ولما تم لك النصر على أعدائك: {إنه عزيز} لا يذل من توكل عليه: {حكيم} بما أخبر به من تأييد نبيه بالأسباب الخفية والمادية ليشعر المؤمنين بما تقتضيه سننه ولولا ذلك لاعتمدوا على أحدهما دون الآخر وذلك هو الضلال المبين.
بعد أن بين الله لرسوله ما يجب اتباعه في معاملة الكافرين بتقسيمهم إلى ثلاث فرق وأمره بأن يفي بعهد من عاهده ويستعد لقتال من يقاتله ويسالم من يسالمه ويفوض إلى الله أمر المخادعين