فهرس الكتاب
وحالًا، وهل ينعم كل منهما بما ينعم به الآخر كلًا فالأولان محرومان من كثير من النعم التي تنال بهاتين الحاستين والآخران ينعمان بهما بكل ما في الوجود من ملاذ: {أفلا تذكرون} أيها المخاطبون هذا المثل الحسي الملموس لتدركوا الفارق بين المؤمن الذي يستعمل حواسه فيما خلقت له فيسمع آيات الله التي توقظ حسه للتفكير في آلاء الله الماثلة أمامه فيحمله هذا على الإيمان بربه والعمل وفق هديه فيكون من السعداء الناجين، وبين ذلك الكافر الذي تأخذه العزة بالإثم فتأبى عليه نفسه أن يسمع ما لا يروق له من كلام الله حتى لا يتعظ به أو أن ينظر إلى ما حوله من المخلوقات نظرة تدقيق حتى لا يحمله ذلك على الإعجاب بخالقها ومحكم صنعها فيعيش بسبب ذلك في ضلال مبين. وهكذا شأن بعض العلماء المعاندين في عصرنا هذا الذين يسمعون قول الله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا} وقوله: {وما تنفعهم شفاعة الشافعين} وأمثالها كثير فيأبون إلا أن يبيحوا للناس دعاء غير الله، والاعتماد على شفاعة الشافعين، لا شك أنهم من أعداء الله الذين لا يهمهم تحطيم عقيدة التوحيد الخالص التي تجمع بين قلوب المسلمين.
بعد أن فصل الله مصير الذين يفترون على الله الكذب والذين آمنوا وعملوا الصالحات ومثل الأولين بالأعمى والأصم والآخرين بالبصير والسميع وختم الآية بقوله: {أفلا تذكرون} إشارة إلى أن من الممكن علاج هذا العمى وهذا الصمم عقب على ذلك بما يشعر أنه تعالى لم يترك عباده يتردون في حمأة هذا المرض العضال بل أرسل لهم من الأنبياء أطباء نفسانيين وصفوا لهم من العلاج بما هو كفيل يبرئهم من تلك الأعراض فقابلوهم بالسخرية والاستهزاء ورفضوا اتباع ما جاءوا به من وصفات تخلصهم من السيئات وقد فصل الله أخبارهم هنا ليكون فيها عبرة وعظة فقال: {ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه} لينير بصائرهم وينبه مشاعرهم ويخلصهم مما كانوا فيه من الردى والظلمات فقال لهم يا قوم: {إني} بكسر الهمزة وقرئ بفتحها: {نذير} أي مهدد بالعقاب: {مبين} أي مبين ما أعده الله للطائعين من ثواب وكل ما أدعوكم إليه هو: {أن لا تعبدوا إلا الله} أي خصوه وحده بالعبادة وهي الدعاء الذي هو مخ كافة العبادات التي دعا إليها سائر الرسل وقال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» لما فيه من اعتراف لله بالعجز عن كل شيء وطلب العون منه جل وعلا: {إني أخاف عليكم} إذا أشركتم بالله أحدًا أو