فهرس الكتاب
الكبر والتكذيب حاق بكم العذاب وإن اهتديتم سلمتم منه فإن من سنن الله في الحكم أنه تعالى يمهل الظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه لم يفلته. {وما أنتم بمعجزين} أي إن عدم التعجيل بعذابكم ليس هو عن عجز منه بإنزاله عليكم ولكن ذلك عائد إلى ما سنه من سنن تقضي بعدم استعجال العذاب ليترك لعباده الفرصة في طلب الهداية والرجوع إلى الحق: {ولا ينفعكم نصحي} أي كذلك نصحي لا ثمرة له: {إن أردت أن أنصح لكم} أي إن كان هذا النصح ناشئًا عن مجرد الرغبة المنبعثة من نفسي: {إن كان الله} من قبل: {يريد أن يغويكم} ولكنه تعالى لم يرد غوايتكم لأن هذا ظلم وما الله يريد ظلمًا للعالمين ولذلك أمرني بنصحكم وترك لكم الخيار في الاستجابة لدعوتي أو رفضها فالأمر إذًا مفوض إليكم وهذا خلافًا لما فهمه الكثير من المفسرين من معنى هذه الآية من أنه تعالى قد يريد الكفر من العبد وأنه إذا أراد منه ذلك فإنه لا ينتفع بنصح الرسول ويمتنع صدور الإيمان منه، وهم لا يشعرون بما ينطوي عليه قولهم هذا من معنى الجبر ونسبة الظلم إليه مما يتعالى الله عنه علوًا كبيرًا: {هو ربكم} الذي رباكم ودبر أموركم في هذه الحياة الدنيا وفق سنن مطردة لا تخطئ وأقدار لا تتبدل: {وإليه ترجعون} في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها ولا يظلم ربك أحدًا: {أم يقولون} عن نوح: {افتراه} أي افترى ما يدعو إليه: {قل} يا نوح: {إن افتريته فعلي إجرامي} أي إن الله سينتقم مني على افترائي عليه وإن كنت صادقًا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب: {وأنا بريء مما تجرمون} أي إني بريء من عقاب جرمكم ولا أتحمل شيئًا منه كما قال تعالى في سورة يونس: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} .
وما إن اشتد عنادهم وألصقوا برسولهم تهمة الافتراء حتى أخبره تعالى بما يعلمه من أمرهم وما يجب عليه حيالهم وما سيكون منهم وما تقتضيه سننه في أمثالهم فقال: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} أي كف عن الجدل ولا تضع وقتك في دعوتهم ومحاججتهم بعد أن بذلت نهاية الجهد في هذه السبيل: {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} أي لا تحزن على ما أصابك من متاعب وآلام في سبيل هدايتهم لم نكلل بالنجاح بل انصرف إلى وقاية نفسك من العذاب الذي استعجلوه لأنفسهم: {واصنع الفلك} أي السفينة التي سننجيك ومن آمن معك بواسطتها: {بأعيننا} أي حال كونك تحت إشرافنا بحيث لا يستطيع أحد من خصومك