الصفحة 1213 من 1760

وعلا لإبادتهم عن آخرهم حتى لا يبقى لهم بقية: {وما هي من الظالمين ببعيد} جرى المفسرون على أن الضمير يرجع إلى قرى لوط التي حل بها العذاب وأنها قريبة من مشركي مكة وواقعة على طريقهم في رحلة الصيف ما بين المدينة والشام بحيث يمكنهم مشاهدتها والاتعاظ بها وهذا غير وجيه لأن موقع تلك القرى مجهول ولا علم للناس به إلا عن طريق ما جاء في الكتب السماوية، وقال علماء الأرض أنها واقعة تحت بحيرة لوط وقيل إن بعض الباحثين عثروا على شيء من آثارهم هناك ويلوح لي أن الضمير يعود إلى الحجارة المسومة عند ربك وأن المراد من عدم بعدها من الظالمين أنها قريبة منهم بحيث لا يصعب إبادتهم بها في كل وقت. يؤيد هذا ما رُوِيَ عن أنس أنه قال سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن هذا فقال يعني عن ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة، ونحن إذا ما دققنا النظر في الآية لا نرى لإمطار الحجارة عليهم بعد قلب دورهم من معنى إلا أن يكون ذلك بقصد إبادة تلك القرى من الوجود، ونحن إذا تأملنا فيما وصف الله تلك الحجارة نرى أنه لا يبعد أن تكون من نوع ما توصل العلم إلى اكتشافه من عناصر الذرة التي أعدها الله للعذاب والتي وصفها سبحانه بالمنضود في انضمامها إلى بعضها وبالمسومة في سرعة انطلاقها إلى أهدافها والتي اكتشفها الظالمون اليوم لإبادة بعضهم بعضًا وتخريب بيوتهم بأيديهم ولا بد أن يصطلوا بنارها عما قريب وفق ما جاء في الحديث المذكور فهم لم يخرجوا عن كونهم من ظالمي آخر الأمم الذين أرسل رسولنا صلى الله عليه وسلم إليهم كافة والله أعلم.

بعد أن أتم الله ذكر قصة لوط أخذ يذكر قصة شعيب فقال: {وإلى مدين} أرسلنا: {أخاهم} في النسب: {شعيبًا} داعيًا بنفس الدعوة التي جاء بها من قبله من الرسل إذ: {قال يا قوم اعبدوا الله} وحده ولا تدعوا معه غيره: {ما لكم من إله} يستطيع نفعكم أو ضركم: {غيره} فهو وحده الذي يسمع النداء ويجيب الدعاء ويقضي الحوائج ويدفع البلاء. ولما كان أغلب قومه من التجار المطففين: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أخذ ينهاهم عن ذلك ويضع لهم تشريعًا في التعامل من شأنه أن يضمن سعادة البشر في هذه الحياة فقال: {ولا تنقصوا المكيال والميزان} بمعنى لا تتلاعبوا في أمر المكاييل والموازين فهذا من شأنه أن يفقدكم الثقة فيما بينكم ويجعلكم تسيئون الظن ببعضكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت