فهرس الكتاب
في الأمة فراعنة يغوون الناس ويستعبدونهم فيطيعونهم كطاعة العبيد للسادة دون اتعاظ بهداية الله فإنهم سيقودوهم في الآخرة إلى النار كما قادوهم في الدنيا إلى الغي والفساد.
بعد أن أخبر الله تعالى رسوله بما كان من إرساله الرسل لهداية الأمم السابقة ودعوتهم إلى ما هو كفيل بسعادتهم من الإيمان بهم والاهتداء بهديهم وتحذيرهم من المخالفة التي جرت عليهم أنواع العذاب الذي نالوه فعلًا أخذ يبين له الغاية من ذكره لتلك القصص وهي إشعار الناس بأن تلك سنة من سننه تعالى في معاملة الظالمين ليكون فيها عبرة وموعظة على مدى الأزمان فقال: {ذلك} ما قصصناه عليك أيها الرسول: {من أنباء القرى} والمدائن من قوم نوح ومن بعدهم: {نقصه عليك} في هذه السورة أو في هذا القرآن لتتلوه على الناس نيابة عنا: {منها} أي من تلك القرى ما هو: {قائم وحصيد} أي منها ما له بقايا ماثلة وآثار باقية يمكن اكتشافها للمنقبين على ممر السنين لتثبت لهم صدق قولنا كقرى قوم صالح وفرعون وملئه، ومنها ما هو كالزرع المحصود الذي لم يبق له أثر كقرى لوط التي لم يعلم مقرها حتى الآن: {وما ظلمناهم} أي وكل أولئك لم يكن هلاكهم برغبة منا في إهلاكهم ظلمًا من غير جرم اقترفوه: {ولكن ظلموا أنفسهم} برفضهم ما أرشدناهم إليه من سبل الهدى ووسائل النجاح وإصرارهم على الكفر بالله وعبادة غيره من الأصنام: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك} أي فما نفعتهم تلك الآلهة التي كانوا يدعونها أو يعتقدون فيها النفع ويرجون منها أو بواسطتها وشفاعتها تحقيق المطالب وكشف المصائب: {وما زادوهم} أي تلك الآلهة: {غير تتبيب} أي غير هلاك وتخسير باعتقادهم أنهم هم الذين آذوا الرسل حتى اعتراهم شيء من الجنون كما قال بعضهم: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} .
{وكذلك} أي إن ما أصاب من سبق من الأمم لم يكن قاصرًا عليهم بل: {أخذ ربك} أي عذابه: {إذا أخذ القرى} أي إذا أراد تعذيب أهل القرى وقرئ: {إذ أخذ} بألف واحدة: {وهي ظالمة} أي في حال ظلم جميع أفرادها في كل زمان ومكان: {إن أخذه} أي عذابه لم يكن مطابقًا لعذابهم في النوع والشكل بل يتحد معهم في أنه: {أليم} أي موجع قاس: {شديد} لا هوادة فيه ولا مفر منه، وقد علم مما تقدم أن الله تعالى لا يهلك الأمة في جملتها ما دام فيها أحد