الصفحة 1221 من 1760

{إلا ما شاء ربك} من مدة يرفعون فيها إلى منازل رفيعة لا يعلمها إلا الله وقد أشار إليها سبحانه بقوله: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} يؤيد هذا قوله: {عطاء غير مجذوذ} أي دائم غير منقطع بمعنى أن الله سبحانه وتعالى سوف يعطي السعداء من أنواع النعيم ما هو فوق ما وصف به جناته: {فلا تك} أيها السامع: {في مرية} أي شك: {مما يعبد هؤلاء} أي من عبادة كل من الأشقياء والسعداء فكل منهما كان يعبد ربه حقًّا وإنما يتفاوتون من ناحية العقيدة صحة وفسادًا وإخلاصًا وشركًا وكلهم: {ما يعبدون إلا كما} كان: {يعبد آباؤهم من قبل} فهم مقلدون لآبائهم سواء كانوا على هدى أو على ضلال: {وإنا لموفوهم نصيبهم} من الجزاء على أعمالهم بحسب ما أعلناه لهم جزاء وافيًا: {غير منقوص} من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا بمثلها.

بعد أن بين الله الغاية من ذكر ما كان من الأمم السابقة من أعمال وما نالهم من جزاء في الدنيا وما ينتظرهم في الآخرة من عذاب وقسم الناس فيها إلى قسمين أشقياء وسعداء مع أنهم جميعًا يعبدون الله وإنما يتفاوتون من ناحية العقيدة صحة وفسادًا وإخلاصًا وشركًا، سيوفيهم الله بمقتضاه نصيبهم كاملًا غير منقوص أخذ يشير إلى أمر قد يكون محل نظر وموضع تساؤل وهو أنه لماذا رمى الله أقوام الأنبياء السابقين بعذاب الاستئصال في الدنيا مضافًا إلى ما ينتظرهم من العذاب في الآخرة بخلاف قوم موسى الذين أنظرهم وأخر جزاءهم إلى الآخرة فبين سبحانه وتعالى السر في هذا ليكون في هذا عبرة وذكرى لأمة محمد التي هي آخر الأمم وقد أخر الله جزاءهم إلى يوم القيامة بقوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب} الذي هو التوراة ليكون دستورًا يحتكمون جميعًا إليه: {فاختلف فيه} أي أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه مما أدى إلى الاختلاف في فهمه وتطبيقه وكانوا شيعًا تنتحل كل شيعة مذهبًا خاصًّا بها تعادي من يخالفها فيه: {منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} ومن أجل هذا أنظروا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت