الصفحة 1222 من 1760

{ولولا كلمة سبقت من ربك} بإنذار المختلفين في الكتاب للحكم بينهم إلى يوم القيامة في قوله تعالى: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} إذ الفصل في المسائل الخلافية لا يكون إلا بعد المناقشة والإصغاء للدفاع وإقامة الحجج وتقديم المستندات والرجوع إلى القانون وتطبيق نصوصه وهذا لا يتأتى إلا بين يدي الله صاحب السلطان ومنزل الشرائع، مالك يوم الدين الذي يتجلى فيه الحساب الدقيق والعدل الكامل: {لقضي بينهم} في الدنيا بإهلاك من علم الله أنهم على غير حق دون حاجة إلى الإصغاء إلى دفاعهم أو اعترافهم بجرمهم وهذا أمر مناف لمبادئ العدل الذي هو من صفات الله جل وعلا فالحاكم لا يقضي بعلمه ولكل إنسان الحق في أن يدافع عن نفسه ويدلي بحججه، وقد حدد الله لهذا يومًا مشهودًا هو يوم القيامة: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} ،: {وإنهم} أي قوم موسى: {لفي شك منه} أي من صحة ذلك الكتاب بنصه المتداول بينهم: {مريب} أي يحملهم على الاختلاف فيه ذلك لأن التوراة التي كتبها موسى عليه السلام قد فقدت في إحراق البابليين لهيكل سليمان، ولذلك قال الله في عيسى عليه السلام: {ويعلمه التوراة والإنجيل} إشارة إلى أنه لم يأخذ التوراة من أيدي اليهود الذين قالوا إن عزرا كتبها بعد الرجوع من سبي بابل، بل بتوقف من الله: {وإن كلا} بتشديد النون وقرئ بتخفيفها أي من أولئك المختلفين فيه: {لما} بتشديد الميم وقرئ بتخفيفها: {ليوفينهم ربك أعمالهم} أي جزاء أعمالهم لا يظلم منهم أحدًا: {إنه} تعالى: {بما يعملون خبير} لا يخفى عليه شيء فلا يصعب عليه أمر التوفية الدقيقة: {فاستقم} أي الزم أيها الرسول الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه بالاهتداء بهدى القرآن والعمل به: {كما أمرت} بعدم الاختلاف فيه: {ومن تاب معك} أي وليستقم معك من تاب من الشرك وآمن بك واتبعك: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ولا تكونوا: {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون} .

{ولا تطغوا} أي لا تجاوزوا حدود ما أمرتم به وذلك بالغلو في الدين أو التفريط فيه، فالإفراط فيه كالتفريط كل منها زيغ عن الصراط المستقيم: {إنه بما تعملون بصير} أي مطلع على جميع حركاتكم وسكناتكم وما تخفون وما تظهرون: {ولا تركنوا} أي تميلوا وتطمئن نفوسكم: {إلى الذين ظلموا} ولم يقل الظالمين إشارة إلى أن المراد الذين ظلموا أنفسهم في هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت