الصفحة 141 من 1760

وبعد أن خاطب الله المؤمنين وكتب عليهم الصيام وهو يعلم ما فيه من مشقة وترويض للنفس وقهر لها بترك لذاتها من الطعام والشراب والجماع، أراد الله سبحانه وتعالى أن يشعرهم بمبلغ كرمه وفضله على عباده إذ هو لا يرد لأحد مطلبًا ولا يخيب سائلًا فيما سأل، فأوحى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك عندما جاءه أحد الأعراب قائلًا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فسكت النبي مدة حتى أنزل الله قوله {وإذا سألك} أيها الرسول {عبادي} المعترفون بعبوديتهم لي الخاضعون لعظمتي وجلالي {عني} أقريب أنا منهم أم بعيد {فإني قريب} أي فأجبهم من تلقاء نفسك في الحال، لأن مثل هذا السؤال عائد إلى صميم العقيدة فلا يحتاج إلى استيضاح مني، ومن واجبك أن تؤكد لهم قربي منهم بما لي من كمال العلم والسلطان النافذ والهيمنة المطلقة على سائر القوى الخفية المنبثة في كل مكان والكامنة في جميع الموجودات كالروح والذرة والكهرباء {أجيب دعوة الداع} أي إني أخذت على نفسي أنني أجيب دعوة كل ملتجئ إلي بدعواته سواء كان مطيعًا أو مذنبًا {إذا دعان} بشرط أن يخصني بالدعاء مقرًا بعجزه معترفًا لي بالقدرة على تحقيق المطالب واثقًا من أني لا أرجع في وعدي ولا أبخل بما عندي. {فليستجيبوا لي} فما عليهم إلا أن يبادروا بالدعاء الذي هو مخ العبادة لما فيه من الدلالة على الشعور بالحاجة إلى الله والتعلق به. ويطالبوني بالإجابة ليبرهنوا بذلك على ثقتهم بتحقيق مطالبهم ومعرفتهم بربهم و {وليؤمنوا بي} إلهًا واحدًا قريبًا منهم قربًا لا يخفى معه على شيء من أمرهم وليثقوا بقدرتي على إجابة الدعاء وتحقيق المطالب {لعلهم} بذلك {يرشدون} يبلغون حقيقة الرشد بحصولهم على كمال الثقة بالله ودوام الاتصال به والاعتماد عليه ويدركون ما لي عليهم من حقوق الطاعة والإخلاص في سائر الأعمال التي أمرتهم بها والتي هي هيكل جميع العبادات مقابل ما منحتهم من النعم وما تعهدت لهم به من إجابة الدعاء، يا له من اعتماد على بياض، فتحه للراغبين صاحب الكرم الفياض، وما أعظم هذا من وعد كريم، لا يحق لمؤمن أن يداخله أي شك في وفاء الله به إلا إذا كان ممن ينكر صدور هذا الوعد من الله أو كان لا يجحد صدق هذا الوعد من الله ولكنه لا يثق ثقة مطلقة بأن الله سيبر به. أو كان ممن يداخله الظن بأن الله لم يكن جادًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت