الصفحة 142 من 1760

في وعده هذا بل كان - تعالى الله عن ذلك - هازلًا أو مجاملًا أو مخادعًا أو كان يحسب أن الأمر الذي يطلبه مما يصعب على الله تحقيقه أو يقصر عنه إحسانه جل وعلا. ولا جرم أن المؤمن إذا تطرق إلى ذهنه أحد تلك الاحتمالات فقد إيمانه والعياذ بالله، وهو بهذا سد على نفسه الطريق وصرعه الشك في استجابة الله للدعاء.

ولكي يمحق الله الشك في قلوب أمثال هؤلاء الذين تعوزهم الثقة بالله والقدرة على تحقيق وعده والاستجابة لمن يدعوه أكد هذا الوعد الحق الكريم وحض ورغب في الدعاء باعتباره عبادة لا يحجم عنها إلا المستكبرون حيث يقول جل شأنه {وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} .

أليس من العار أن يخلف عظيم وعدًا قطعه على نفسه أمام الناس والجماهير. فكيف يجوز في الأذهان أن الله يخلف وعده، وكيف لا يقدر علماؤنا قيمة وعد الله بإجابة الدعاء. وأن يقيدوه بقيود. ويعلقوا إجابته على شروط تقلل من أهميته وتضعف من أثره. بل إن بعض الناس قد تمادوا فأساؤوا استعماله وأفقدوه كثيرًا من مزاياه كسلاح بتار في يد المؤمن الصحيح. إذ يقولون إنه لا بد لاستجابة الدعاء من أن يكون صادرًا من إنسان خال من الذنوب والآثام ولو تعمقوا قليلًا لوجدوا أن المثقل بالذنوب والأوزار هو أحوج الناس إلى اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى الذي جعل استجابة الدعاء وتحقيقه من دلائل وحدانيته وسنة من سننه التي لا تتبدل. ولقد قضى في دستوره الأزلي أن يكون الدعاء سبيلًا إلى تحقيق مطالب كل محتاج سواء أكان صالحًا أم فاسقًا. مؤمنًا كان أم كافرًا. كما أن سقي الأرض بالماء سبيل إلى إنبات العشب والأشجار سواء بسواء حيث يقول جل شأنه {أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلًا ما تذكرون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت