فهرس الكتاب
ولذا كان اليأس من استجابة الدعاء وتحقيق الآمال بمثابة العدول عن الطلب الذي من شأنه أن يفسد مفعول الدعاء ويحول دون بلوغه.
وقد جعل اليأس من غفرانه تعالى للذنوب من أعظم السيئات التي تجلب سخطه كما ورد في حديث قدسي عن الله جلت قدرته قوله «وما غضبت على أحد كغضبي على مذنب أذنب ذنبًا فاستعظمه في جنب عفوي» وبلغ من كمال فضله تعالى على الإنسان، وهو يعلم أنه كثير النسيان قليل الجلد على ملاقاة الحدثان، أن أمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يدعو المذنبين إلى عدم القنوط من رحمته، حيث قال: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} . ولا يغرب عن البال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن هناك من الأسباب ما يحول دون استجابة الدعاء منها أن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم حيث قال صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يدعو بدعاء إلا أتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» ومنها أن يكون الداعي غير جاد في طلبه أو واثق من نيله أو متجه إلى غير الله بقلبه فالدعاء في هذه الحالات لا يستجاب له لقوله صلى الله عليه وسلم «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» ومنها أن يكون الداعي يائسًا من استجابة دعائه في حال تأخر بلوغ المراد حيث قال صلى الله عليه وسلم «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي» .
وإن مما يؤسف له أن تتوافر كل هذه العلل في نفوس الناس في عصرنا الحاضر مما أدى إلى إبطال مفعوله بل إنهم اتخذوه وسيلة للهو وإضاعة الوقت عن طريق المدائح والتوسلات، والوظائف والأوراد جهرًا في الحلقات، بينما يقول تعالى {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين} . والمراد بالمعتدين في هذه الآية المتجاوزين في الدعاء حد الضراعة فقد امتدح الله دعاء نبيه زكريا {إذ نادى ربه نداء خفيًّا} وثبت في الصحيحين عن أبي موسى