فهرس الكتاب
الأشعري رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهدون بالتكبير فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم» وروى أحمد وأبو داود عن ابن أبي وقاص أنه سمع ابنًا له يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها وكذا وكذا. وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا وتعوذت من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم» ولقد صدق رسول الله وأصبحنا في وقت استخف الناس فيه بالدعاء واعتدوا فيه وصاروا يرسلونه من أفواههم بلا حساب ومن غير قصد ودون يقين بالإجابة أو تصور لله أثناء ترتيلهم لحزب البر والبحر، وما أشبه ذلك من الأدعية ودلائل الخيرات من غير وعي كالببغاء ففقدنا بهذا أعظم سلاح ندرك به مدد الله.
وعندما أخبر الله المؤمنين بأنه كتب عليهم الصوم في شهر رمضان باعتباره هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وعلموا أن فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر حسبوا أن الجماع فيه يخل بحرمته ولو كان ذلك بعد وقت الإفطار لأن ذلك مما لا يتفق مع ما عليه الصائم في النهار من تقوى وعبادة فصاروا لا يباشرون النساء طوال شهر رمضان ليلًا، وكان منهم من إذا صام رمضان فأمسى ونام حرم على نفسه الطعام والشراب حتى يفطر من الغد، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهاهم عن كل هذا ويبين لهم الحكمة فيه حيث قال {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} وهو كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة وقرئ {الرفوث} {إلى نسائكم} إذ {هن لباس} من الملابسة وهي المخالطة {لكم وأنتم لباس لهن} وذلك لأن الرجل والمرأة يعتنقان عادة بالليل ويضم كل واحد منهما إلى صاحبه كالثوب الذي يلبسه، فمن الحرج العظيم الامتناع عن المباشرة ومن أجل هذا أحلها الله بالليل للصائمين {علم الله أنكم} بتحريمكم الجماع على أنفسكم من غير أن يأمركم الله بهذا {تختانون} أي تخونون {أنفسكم} وأي خيانة للنفس أعظم من صدها عما أحل الله لها وإيهامها بأن في ذلك