فهرس الكتاب
الله ولا تنسبوا إلى هذا الدين ما ليس منه ولا تتقربوا إلى الله بغير ما دعا إليه {واتقوا الله} بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {لعلكم تفلحون} في جميع أعمالكم فإن من يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب. وعلى ذكر الحج وما كان للناس من عادة فيه منعهم الله عنها. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتهيأ إلى زيارة بيت الله الحرام بناء على اتفاق سابق أبرم بينه وبين المشركين من العام الفائت في صلح الحديبية وكان أصحابه صلى الله عليه وسلم يخشون غدر قريش وعدم وفائهم بالوعد وصدهم عن المسجد الحرام وكانوا كارهين مقاتلتهم في الشهر الحرام وفي أرض الحرم جريًا على عادتهم منذ الجاهلية أراد الله أن يبين لهم الخطة التي يجب أن يسيروا عليها في رحلتهم هذه ويضع لهم قاعدة عامة لجهاد أعدائهم فقال {وقاتلوا في سبيل الله} ومن أجل إعلاء كلمته وحفظ عهوده وإقامة شعائره {الذين يقاتلونكم} من كل من يتصدى لقتالكم وصدكم عن المسجد الحرام {ولا تعتدوا} ولا تكونوا بادئين بأي نوع من أنواع الاعتداء، سواء بالبدء بالقتال أو بقتل للآمنين الأبرياء من النساء والصبيان والشيوخ والمرضى أو من ألقى إليكم السلم وكف عن حربكم، ويدخل في الاعتداء تخريب المدن وقطع الأشجار {إن الله لا يحب المعتدين} المتجاوزين حدود ما أحل الله {واقتلوهم} إذا صدوكم عن المسجد الحرام وقاتلوكم أي فاقتلوا الذين يقاتلونكم {حيث ثقفتموهم} في أي مكان وجدتموهم فيه ولو كانوا في رحاب الحرم {وأخرجوهم} وأكرهوهم على الخروج إذا أصروا على شركهم {من حيث أخرجوكم} من البلد الذي أخرجوكم منه عند دعوتكم السابقة إلى الإيمان وهي مكة {والفتنة أشد من القتل} أي أن فتنتهم إياكم في دينكم أشد من قتلكم إياهم في الحرم، لأنهم يسعون بالفتنة لصدكم عن أداء العبادة والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها وخطر ذلك ضار بالبشر، وأما قتلكم لهم فأمره خاص بهم وفيه عبرة لسواهم {ولا تقاتلوهم عن المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} إجلالًا لبيت الله المقدس وأمنًا لكل لاجئ إليه ولا تقاتلوا أحدًا فيه إلا إذا انتهك هو حرمته فليس له بعد ذلك أمن لتعديه {فإن قتلوكم} في المسجد الحرام بعد لجوئهم إليه {فاقتلوهم} ولا تتحاشوا عن قتلهم حينئذ فإنما جرم ذلك عائد