فهرس الكتاب
وعلى ذكر الحج، ولما كان أهل الجاهلية يتخذونه في أي شهر من أشهر العام ثم جاء الإسلام بتنظيمه في أوقات مخصوصة قال تعالى {الحج أشهر معلومات} أي إن الوقت الذي يؤدي فيه الحج هو أشهر مخصوصة، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة {فمن فرض} على نفسه {فيهن الحج} بالنية أو بالشرع في أعماله {فلا رفث} بفتح الثاء وقرئ برفعها فيجب أن يمتنع عن الرفث ويراد به الجماع لأنه يتنافى مع خلوصه من ملذات الحياة وانصرافه لمحض طاعة الله فهو مفسد للحج {ولا فسوق} بفتح القاف وقرئ برفعها ويجب أن يمتنع أيضًا عن الفسوق ويراد به محرمات الإحرام من الطيب والزينة ولبس المخيط لأن ذلك لا يتفق ومقصد المحرم {ولا جدال} بفتح اللام وقرئ برفعها أي ويجب أن يمتنع أيضًا عن الجدال ويراد به كل ما من شأنه أن يستفز النفوس ويولد العداء ويؤدي إلى القتال ولو كان ذلك عن حق لأنه مما يتنافى مع الغاية التي يرمي إليها الحج من التساوي والتسامح وحسن الخلق {في الحج} كل ذلك مما لا ينبغي أن يكون في الحج {وما تفعلوا من خير} من الإكثار من الصدقات {يعلمه الله} فيجزيكم عليه خير الجزاء {وتزودوا} للحج بكل ما تحتاجونه في تلك الديار قبل مجيئكم، فقد روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم هناك فأنزل الله تعالى {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} أي فإن خير الزاد طاعة الله، وهي بأن تكفوا في هذا المقام وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وأن تلاحظوا أن الحج لم يفرض إلا على المستطيع وأن تكفلكم الحج مع السؤال والظلم معصية تتنافى مع التقوى {واتقون} بأداء الواجبات وترك المحظورات {يا أولي الألباب} فيجب أن تحكموا عقولكم في الأمر يا أصحاب العقول الراجحة فإذا كان القصد من الحج هو الطاعة فليس من الصواب أن تأتوا به متلبسين بحالة لا ترضي الله ولا تنطبق على معنى الاستطاعة.
لما نهى الله قاصد الحج عن الرفث والفسق والجدال وأمره بالتزود للحج وأخبره أن خير الزاد التقوى أراد دفع ما قد يتوهم من أن أيام الحج أيام عبادة وبر فقط فلا ينبغي أن تشغل بالتجارة التي هي من أعمال الدنيا فقال