فهرس الكتاب
تعالى {ليس عليكم} أيها المأمورون بالحج {جناح} أي إثم فقد رخصت لكم في أثناء حجكم {أن تبتغوا فضلًا من ربكم} أن تتطلبوا زيادة الزرق من الله بوسائله المشروعة من التجارة والصناعة أثناء حجكم {فإذا آفضتم} أي اندفعتم في السير {من عرفات} وهو جبل على بعد اثني عشر ميلًا من مكة يقف الحجاج فيه في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} فإذا بلغتم المكان الذي خصصه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مزدلفة فحطوا الرحال وانصرفوا إلى ذكر الله الذي أكمل لكم الدين وأتم عليكم النعمة ورضي لكم الإسلام دينًا {واذكروه كما هداكم} وبالغوا في ذكره ذكرًا يقابل هدايته لكم إلى سنة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه وذلك بقولكم: لبيك اللهم لبيك - أي نشهدك إنا أتينا إليك طائعين ولدعوتك ملبين مذعنين أنه لا شريك لك {وإن كنتم من قبله} من قبل هذا الهدى {لمن الضالين} عن سنة إبراهيم لتقادم الزمن عليها فأرسل لكم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم لإحيائها ولإرشادكم إليها {ثم أفيضوا} من مزدلفة {من حيث أفاض الناس} واسلكوا الطريق الذي سلكه من كان قبلكم، ولعل منهم إبراهيم وقومه وهو الطريق إلى منى ولا تيمموا طريقًا غير طريق الجماعة فإن السير مع الجماعة معنى لا يخفى على ذوي البصائر النيرة {واستغفروا الله} من كل ما صدر منكم من مخالفة أو تقصير في تتبع مناسك إبراهيم التي رسمها لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لكم: «خذوا عني مناسككم» {إن الله غفور} لمن استغفره {رحيم} لمن كان مستحقًّا للرحمة.
ولما كان من عادة العرب أنهم إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة ذكروا آباءهم وأشادوا بمفاخرهم أراد الله منهم أن يبطلوا تلك العادة وأن يستبدلوها بذكر الله فقال {فإذا قضيتم مناسككم} التي أمركم الله بها من أعمال الحج {فاذكروا الله} على آلائه ونعمه {كذكركم آباءكم} أي كما كنتم تذكرون مفاخر آبائكم {أو أشد ذكرًا} لأن فضائل آبائكم لم تكن لتعود عليكم بشيء أما فضائل الله فإنكم تتقلبون فيها ولا تحصونها وبعد أن دعا الله الناس إلى ذكره أراد أن يفهمهم ما يترتب على ذكر الله من إجابته سبحانه وتعالى لدعائهم وتحقيقه