الصفحة 158 من 1760

بعد أن أمر الله المؤمنين بالتزام جانب السلم والابتعاد عن سيئ الأخلاق التي يدعو إليها الشيطان وأخبرهم بسوء عاقبتها، أراد أن يأتي لهم بشواهد وأمثلة على ذلك عن الأمم التي سبقتهم وما أصابها نتيجة مخالفتها لأوامر الله فقال {سل} أيها الرسول {بني إسرائيل} واستعرض تاريخهم {كم آتيناهم} في كتابهم {من آية بينة} توضح لهم الحلال والحرام فأبطلوا أحكامها بالتحريف والتبديل، فأخذهم الله بعزته ونفذ فيهم حكم سننه وضربت عليهم الذلة والمسكنة {ومن يبدل} بتشديد الدال وقرئ «يبدل» بتخفيفها {نعمة الله} التي من أهمها آياته التي لم تنزل إلا لمصلحة العباد ويجعلها من أسباب الضلال بدل الإسعاد والإقبال {من بعد ما جاءته} بواسطة الرسل {فإن الله شديد العقاب} لا يتساهل في جزاء من يتعمد مخالفة أوامره عن طريق تبديل آياته، ويتغمد برحمته من يطلبها وأعلم أيها الرسول أنه قد {زين} بالبناء للمجهول وقرئ بالبناء للفاعل {للذين كفروا} بالله واليوم الآخر حب {الحياة الدنيا} ففرحوا بها وشغلوا بمظاهرها وحصروا هممهم فيها حتى أصبحوا لا يقيمون وزنًا لأعمال الآخرة {ويسخرون من الذين آمنوا} لاعتقادهم أنهم قد حرموا مما هم فيه من نعيم في الدنيا جريًا وراء سعادة مرجوة في الآخرة موهومة في نظرهم {والذين اتقوا فوقهم} والحال أن الذين اتقوا ربهم وراقبوه في هذه الدنيا وعملوا للآخرة ستكون لهم مكانة القربى عند ربهم {يوم القيامة} فضلًا عما ظفروا به في هذه الدنيا من الرزق والإسعاد في الحياة بطمأنينة النفس وإن حسب الكفار أنهم قد سلبوا من كل ذلك، ومن هنا يظهر أن الحياة الدنيا لا يحرم من نعيمها ونيل رزقها أحد من المخلوقات لا فرق بين مسلم وكافر وغني وفقير وفق سنن الله التي سنها لعباده، وإنما التفاضل والميزة في الواقع لا تكون إلا في الآخرة على حسب ما يقدم الإنسان من عمل {والله يرزق من يشاء} فاعل يشاء عائد إلى من أي أن الله يعد بالرزق كل من يعمل لنيله ولكن {بغير حساب} أي أنه تعالى لا يعطي الرزق للعامل على قدر جده واجتهاده كما يتصوره بعض قصار النظر الذين يحسبون أنهم إنما يرزقون في الحياة بكدهم وعرق جبينهم بل حسبما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت