فهرس الكتاب
يقتضيه فضل الله وكرمه وما يعلم أنهم في حاجة إليه لنفقة من يعولون ممن تعهد الله برزقهم وجعله عن طريقهم حيث قال {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} .
بعد أن أخبر الله نبيه بأمر الخلاف الحاصل بين الناس واستهزاء بعضهم ببعض وتفوق طائفة من المستهزأ بهم في الدنيا على المستهزئين في الآخرة أراد أن يبين له منشأ الخلاف وما طرأ عليه من تطور فقال {كان الناس} من عهد آدم {أمة واحدة} قاصرة في مداركها ورغائبها تسير على الفطرة وتهتدي بهدي العقل ولا تتدين بدين ولا تعرف عن الآخرة شيئًا {فبعث الله} لهم {النبيين} هداة للناس إلى ما هو فوق التفكير العادي {مبشرين} بحياة جديدة أخرى غير هذه الحياة الدنيا فيها الاستقرار والنعيم الدائم {ومنذرين} بأهوال وشدائد تتخلل تلك الحياة {وأنزل معهم} من ربهم {الكتاب} الذي يوضح الطيب من الخبيث والنافع من الضار {بالحق} متضمنًا للأوامر والنواهي الإلهية {ليحكم} ليكون ذلك الكتاب دستورًا وقانونًا حكمًا {بين الناس} يرجعون إليه {فيما اختلفوا فيه} في معاشهم ومعاملاتهم {وما اختلف فيه} أي في أصول الحكم الذي جاء به الكتاب {إلا الذين أوتوه} أي الكتاب وذلك بالتحريف والتبديل والتأويل بالهوى ومن غير دليل أو برهان {من بعد ما جاءتهم البينات} أي من بعد أن قامت الأدلة على أنه ما جاء إلا لإزالة الخلاف والتوفيق بين الناس فما كان لهم أن يتخذوا منه أداة للاختلاف وتمزيق الشمل {بغيا بينهم} ، ولم يكن اختلافهم هذا إلا ظلمًا منهم نتيجة التمسك بالرأي ومقاومة من يخالفه ولولا ذلك لعملوا على جمع الكلمة وتجنب الخلاف فيما جاء للفصل فيما يكون بين الناس من خلاف {فهدى الله} بالقرآن الكريم {الذين آمنوا} بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر {لما اختلفوا فيه من الحق} إلى استخلاص الأحكام الصائبة من بين ثنايا ما أنزل الله {بإذنه} حيث شملهم بتوجيهاته الإلهية التي جعلتهم ينطقون بالحق {والله} في دستوره {يهدي من يشاء} فاعل يشاء عائد إلى من يعني العبد لا إلى الله أي أنه تعالى يهدي من يشاء الهداية لنفسه بسلوك سبلها من الإيمان واتباع القرآن الذي