فهرس الكتاب
تنفيذًا لأوامر الله {فإن الله به عليم} يضاعف الجزاء لكل من توخى رضاء الله وطبق أحكامه وتمشى على قانون الشريعة السمحة.
بعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول في السلم كافة ونبههم إلى ضرورة بذل الأموال والأنفس في سبيل الله والصبر على ما يترتب على ذلك من البأساء والضراء ووضح لهم أهمية بذل الأموال ومواضع صرفها، أخذ يبين لهم مزية بذل الأنفس وتضحيتها في سبيل الله فقال {كتب عليكم القتال} لا للتجاوز والاعتداء، بل لأجل أن تكونوا أمة متأهبة على الدوام للإقدام على القتال {وهو} بتوطيد النفس واستعدادها دائمًا له {كره} بضم الكاف وقرئ بفتحها {لكم} لأنكم تحسبون هذه حالة قلق وحذر دائم {وعسى أن تكرهوا شيئًا} وذلك الشيء هو التأهب والاستعداد للحرب {وهو} في الواقع {خير لكم} لأن الاستعداد للحرب يمنع الحرب، والتأهب للقتال يرهب الأعداء ويمنع عنكم عاديتهم {وعسى أن تحبوا شيئًا} وهو الركون إلى السلم وعدم الاستعداد للحرب {وهو} في الواقع {شر لكم} لأن ذلك دليل على الضعف وعنوان على الخضوع والاستكانة وكل ذلك من شأنه أن يطمع الأعداء في إذلالكم والاستيلاء على بلادكم {والله يعلم} هذه الحقائق وما يترتب عليها {وأنتم لا تعلمون} ذلك لقصر أنظاركم وما يزينه الشيطان لكم من حياة الاستقرار والركون إلى ملاذ الحياة والانصراف عن نصر دين الله إلى الانغماس في الشؤون الدنيوية وقد أخبرنا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بما يترتب على ذلك من الذل والهوان في الدنيا حيث قال «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد واتبعوا أذناب البقر ورضوا بالزرع أنزل الله بهم ذلًا فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» .
بعد أن بين الله للمؤمنين حقيقة بذل الأنفس ابتغاء مرضاة الله وفرض عليهم القتال أراد المسلمون أن يفهموا هل وجوب القتال عام يشمل سائر أشهر العام أم أنه مقيد بما عدا الأشهر الحرام؟ فقال تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام} الذي كانوا يقدسونه ويحرمون القتال فيه {قتال فيه} وقرئ {عن قتال فيه} هل يجوز القتال فيه