فهرس الكتاب
{وهاجروا} فرارًا بدينهم من الفتنة {وجاهدوا} بأموالهم وأنفسهم سواء عن طريق السيف أو القلم أو الجهر بالحق بألسنتهم {في سبيل الله} إعلاء لكلمته وتأييدًا لشريعته {أولئك} هم الذين من حقهم أن يطمئنوا برضوان الله عنهم وقبوله لأعمالهم و {يرجون رحمة الله} ويثقون بوعده لهم بالمغفرة وينتظرون ثوابه ولو لم يكونوا كذلك لما آمنوا ولما هاجروا ولما جاهدوا في سبيل الله {والله غفور} لمن تاب وطلب غفرانه بالآيات والعمل الصالح {رحيم} بمن يستحق الرحمن من عباده الموحدين المتقين.
عندما أخبر الله نبيه بأن المؤمنين المهاجرين والمجاهدين هم الذين يرجون رحمة الله، وكان العرب إذ ذاك يتعودون شرب الخمر وينحرون الجزور ويجعلونه أقسامًا يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم فمن خرج له قدح نظروا إلى ما عليه من اسم فيحكمون له بما تقتضيه أسماء القداح أرادوا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كان في ذلك ما يتنافى مع رجاء رحمة الله فأخبر الله نبيه بما يجول في صدورهم وبما ينبغي أن يرد به على هذا السؤال فقال {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} وقرئ {إثم كثير} فشرب الخمر يذهب بالعقل ويفني المال ويسهل سبيل الإجرام وألوان المحرمات، وتعاطي القمار من شأنه أنه يولد الحقد والبغضاء في النفوس ويعود الناس على التكاسل وطلب الربح من غير طريقه المشروع {ومنافع للناس} أي وفيهما منافع للناس، فالقليل من الخمر قد يفيد الصحة والاتجار به يدر أرباحًا طائلة والميسر ربما عاد على بعض الناس بثروة عظمى غير منتظرة {وإثمهما أكبر من نفعهما} ولكن الإثم فيهما أكبر من النفع المرجو منهما وذلك لأن المضار التي تتولد منهما يعود أثرها على المجموع، بخلاف المنافع التي تجنى من ورائهما فإنها إنما تعود على الشخص نفسه مشوبة بأضرار أخرى صحية واجتماعية.
وعلى ذكر ما أخبر به الله نبيه من أن المهاجرين والمجاهدين هم الذين يرجون رحمة الله، والجهاد يشمل الجهاد بالمال والنفس وقد سبق للمؤمنين أن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما ينفقون وأمر الله نبيه بأن يبين لهم ما يصلح للنفقة وجهات صرفها فأصبح يجول في صدورهم المقدار الواجب إنفاقه هل هو كل ما يملكون أم