فهرس الكتاب
أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى على القصعة أكلتها قال الصحابة أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله قال لا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من قلوب عدوكم منكم ويلقي في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن يا رسول الله قال حب الحياة وكراهة الموت».
ومن أجل هذا أخذ جل وعلا يحث الناس على العمل للآخرة ويصف حال المجدين في طلبها بقوله: {وجوه يومئذ ناضرة} أي حسنة ناعمة: {إلى ربها ناظرة} أي شاخصة لا تنظر إلى غيره. متوقعة رؤيته التي وعد الرسول بها كما في الصحيحين من، أن أناسًا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونها سحاب» قالوا لا قال «فإنكم ترون ربكم كذلك» .: {ووجوه يومئذ باسرة} الباسر الشديد العبوس: {تظن أن يفعل بها فاقرة} الفاقرة الداهية الشديدة كأنها تكسر فقر الظهر والمعنى أنها تحسب أن العذاب في ذلك اليوم لا يتجاوز أعظم المصائب في الدنيا ومن أجل هذا تكون باسرة ولو علمت الحقيقة من أن عذاب الآخرة أعظم بكثير من عذاب الدنيا لذهلت وفقدت وعيها.
وبعد أن بين الله السر الحقيقي لإنكار الناس أمر البعث وهو حبهم للحياة وكرههم للموت ووصف حال السعداء والأشقياء في ذلك اليوم أخذ يذكر الإنسان بأنه لا بد للحياة الدنيا من نهاية تعقبها الحياة الأخرى لا محالة فقال: {كلا} ردع وزجر عن إيثار الدنيا على الآخرة فإن الموت أمر لا بد لكل حي من أن يذوق مرارته: {إذا بلغت} النفس: {التراقي} جمع ترقوة وهي عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين ويكنى بهذا عن دنو ساعة الموت ومفارقة الروح للبدن: {وقيل من راق} بإظهار النون وقرئ بإدغامها في الراء أي قال من حول الإنسان المشرف على الموت هل من طبيب روحاني يعالجه بالرقية بعد أن قال الطبيب فيه كلمته بأن لا أمل في شفائه: {وظن} أي المحتضر: {أنه الفراق} دون أن يجزم به وفي هذا إشارة إلى مبلغ طمعه في الحياة وحبه للدنيا العاجلة وعدم قطع رجائه عنها: {والتفت الساق بالساق} أي انضمت رجلاه إلى بعضها فلم تعد تحملانه بعد أن كان عليهما جوالًا: {إلى ربك يومئذ المساق} ساق الماشية حثها على السير من خلف بمعنى أن النفس بمفارقتها للبدن إنما تساق منقادة طائعة لأمر ربها تنال جزاء ما قدمت من عمل يتعلق بأصول الدين وفروعه وهناك تظهر نتيجة إنكار الإنسان أمر البعث وما كان يحسبه من أن الله سبحانه وتعالى لن يجمع عظامه: {فلا صدق} بما جاءت به الرسل من عند الله: