تمكنه من التمييز بين الحق والباطل والخير والشر وتجعله مخيرًا كل التخيير بين أن يكون شاكرًا أو كفورًا وفصل مصير كل منهما يوم القيامة وأشاد بذكر ما ينتظر الأبرار من نعيم وذكر الأعمال التي تضمن للناس السعادة في الحياة الأخرى ليغرس في قلوبهم حبها والعمل من أجلها وانتهى من ذلك إلى ما يؤكد أن السعادة هنالك ليست سوى نتيجة الاختبار الذي أداه الإنسان في حياته الدنيا وجزاء على ما قدم من أعمال قلبية وبدنية ثم أخذ يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم واجبه وما ينبغي عليه التزامه كرسول أمر بتبليغ القرآن إلى الناس أجمعين وكيف السبيل إلى حملهم على اتباع أحكامه والاهتداء بهديه فقال: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن} وجعلناه مادة أساسية لاختبار الناس في إيمانهم وتصديقهم بما جاء فيه وقد كان إنزاله عليك: {تنزيلًا} أي مرتبًا ومتفرقًا ولم تنزله دفعة واحدة لنسن للناس سنة الاهتداء به تدريجيًا بحسب نضج العقول وارتقاء الأفكار وقوة الإيمان في النفوس: {فاصبر لحكم ربك} الذي أعطى الناس حرية الخيار وقضى بضرورة التريث والانتظار حتى يترك لهم فرصة كافية لدراسة القرآن وتدبر معانيه والإيمان به عن عقيدة ويقين لا قسرًا بدون اختيار فلا تحاول أن تكرههم جميعًا على الاهتداء به: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} .
{ولا تطع} أي خالف ولا تتأثر بقول واحد: {منهم آثمًا أو كفورًا} الإثم ما حاك في الصدر والكفر عدم التصديق والإنكار والمعنى وحاذر أن يثنيك عما أمرت به من الصبر أحد من الناس فإن من يدعوك إلى فرض الإسلام على الناس فرضًا والحيلولة دونهم ودون الاختيار الذي منحه الله لهم أو الدعاء عليهم أو اليأس من هدايتهم لا شك أنه لم يخرج عن كونه واحدًا من اثنين لا ثالث لهما إما آثم قلبه أو كافر بما أنزل إليك: {واذكر اسم ربك} أي وما عليك إلا أن تردد ذكر الله والدعوة إليه: {بكرة وأصيلا} صباحًا ومساءً بمعنى طوال النهار واترك الناس أحرارًا في اختيار ما يريدون فمن أحب لنفسه الهداية وعمل لها هداه الله وتقبل عمله وغفر له خطاياه ومن أعرض عن ذلك فلا يلومن إلا نفسه: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلًا طويلًا} أي تفرغ لعبادة ربك طوال الليل بمعنى لا ترهق نفسك بأمر الدعوة ليل نهار واعلم: {أن هؤلاء} الناس أو الكفار: {يحبون العاجلة} أي أن الذي يحملهم على عدم الاهتداء بهدي القرآن وتنفيذ أحكامه إنما هو حبهم للدنيا وملاذها الحقيرة وتكالبهم عليها والاشتغال بمصالحهم فيها وهذا أمر فطري في